علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

أن تكون إنسانا.. ماذا يعني؟! .. الجزء السابع

توقفنا في الجزء السابق من المقال (الجزء السادس) عند وعد القارئ الكريم أن نقدم له ردا على اعتراضه على وصفنا سلوك المرء الذي يتخطى حدود العدالة في تعامله مع أقرانه من البشر –لتحقيق مصالحه على حسابهم– بأنه سلوك ينتمي إلى الفطرة الحيوانية.

والواقع أن أُناسًا استغرقتهم الفطرة الحيوانية التي تسعى لحيازة ما يلبي رغباتها وشهواتها حتى أعمت عقولهم وأبصارهم، وأصمت آذانهم عن أن يكونوا عادلين رحماء، فأبعدتهم عن فطرتهم الإنسانية العاقلة العادلة.

لماذا كان بعض بني آدم أضل من الأنعام؟

في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179).

وفي تفسير ذلك، يقول الطاهر بن عاشور –في تفسيره التحرير والتنوير، دار سحنون ج 9 ص ص 184-183–: “وتشبيههم بالأنعام في عدم الانتفاع بما ينتفع به العقلاء، فكأن قلوبهم وأعينهم وآذانهم قلوب الأنعام وأعينها وآذانها، في أنها لا تقيس الأشياء على أمثالها ولا تنتفع ببعض الدلائل العقلية،

فلا تعرف كثيرًا مما يفضي بها إلى سوء العاقبة، ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع عن آلاتها الكائنة فيهم أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له، وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي ويدفع به الضرر الأبدي، لأن آلات الإدراك والعلم خلقها الله لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع ودفع أكبر المضار،

اضغط على الاعلان لو أعجبك

نفى عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة، لأن الفعل في حيز النفي يعم، مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة لعدم الاعتداد بما يعلمون من غير هذا، فالنفي استعارة بتشبيه بعض الموجود بالمعدوم كله”.

أسباب ظلم الإنسان للإنسان

جزاء الظالم عند الله - أن تكون إنسانا.. ماذا يعني؟! .. الجزء السابع

وثمة سؤال يثار هنا: كيف نفسر تجاوز المرء منا حدود العدالة في قوله أو فعله أو شعوره نحو غيره، بصورة تجعل سلوكه من ذلك النوع الذي تسمح باقترافه فطرة أخرى، هي الفطرة الحيوانية؟!

ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل بأن ثمة ثلاث علل تسهم في تفسير ذلك، ألا وهي:

العلة الأولى: غلبة المصلحة الذاتية

غلبة نزعة المصلحة الذاتية القاصرة والعاجلة لديه –لهوى أو شهوة أو رغبة ما– على نحو يجعل عقله تحت إلحاحها لا يغاير في شيء –في طبيعة الدور الذي يقوم به هنا– عقل الحيوان الذي يفكر في تحقيق الهدف اللحظي لصاحبه، دون أدنى التفات للآثار السلبية التي قد يخلفها هذا الفعل على الآخرين حينها، أو على نفسه في وقت لاحق.

العلة الثانية: قصور معايير العدالة

وتتجلى في اختلال أو قصور معايير العدالة التي يهتدي بها عقل المرء منا –عند امتلاكه فطرة سوية– على نحو لا يُمكّنه من ممارسة هذه العدالة مع غيره كما ينبغي أن تُمارس،

وهو ما يمكن أن نلمس له مثالًا واضحًا في رؤية كل واحد منا أن ثمة حق له أن يمتلك مقومات الحياة الرغيدة في المسكن والملبس والمأكل والمشرب والمركب وخلافه،

دون أن يرى وجوب اجتهاده هو أيضًا في أن يقدم للوجود مقابلًا عادلًا يوازي جهد البشر الآخرين الذين يكدحون لتوفير هذه المقومات له.

العلة الثالثة: تضخيم الذات

تضخيم المرء منا لذاته وبكل ما يتعلق بها، واستغراقه في مشاعره هو، ورغباته هو، ومصالحه هو، على نحو يجعل إدراكه لمشاعر الآخرين ورغباتهم، وكل ما يتعلق بهم إدراكًا باهتًا لا يكاد يكون له من شعوره نصيب،

وهو الأمر الذي يجعل أي ضرر يصيبه من قِبلهم يمثل لديه أمرًا جللًا، بينما إذا ما أصابهم هو بذات الضرر، فهو أمر لا يكاد يُدرك له أثرًا، أو يلقي له بالًا، ناهيك عن تلكم الحجج التي يُقنع بها نفسه، ويسوقها لإقناع الآخرين بأن ما فعله ويفعله معهم هو دائمًا أمر لا يقدح في عدالته قيد أنملة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وإذا كان ثمة إمكانية لهبوط سلوك المرء منها على هذا النحو حتى يرد أسفل سافلين فيحق لنا أن نتساءل، هل ثمة سلوكيات تهبط بالمرء إلى فطرة أدنى من سلوكيات الفطرة الحيوانية؟

إذا كانت الإجابة نعم، فما هي تلك الدرجة التي تدنو عن الدرجة الحيوانية؟ وما طبيعة السلوكيات التي تُردي صاحبها فيها؟ وسوف نجيب عن هذين التساؤلين في الجزء اللاحق من هذا المقال بمشيئة الله تعالى.

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الجزء الثالث من المقال

الجزء الرابع من المقال

الجزء الخامس من المقال

الجزء السادس من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمود السماسيري

أستاذ الإعلام المشارك بجامعتي سوهاج بمصر حاليا، واليرموك بالأردن سابقا.

مقالات ذات صلة