ثلاثة وجوه أكاديمية

مشاهد من كواليس الجامعة
قضيت في الجامعة سنواتٍ طوال، كشفت لي وجوهًا كثيرة، لكن ثلاثة منهم ظلّوا عالقين في الذاكرة، لا يجمعهم شيء، سوى كونهم مادة ممتازة للتأمل والكتابة.
الأول: صاحب الحقيقة المطلقة
متعـالٍ على زملائه، يدخل المحاضرة كأنه نزل من جبل الطور بوصايا علمية جديدة، تنسخ ما قبلها وتنسف ما بعدها. يحدّق في الطلاب كأنه يتفقد استعدادهم لتلقي آخر ما نزل من الوحي العلمي، ثم يطلق صيحته الكبرى: “مين اللي قالكم الكلام الفارغ ده؟”.
ويتبعها بجملته الخالدة: “انسوا كل اللي اتعلمتوه قبلي، كله غلط!”.
هو هنا لا يسفّه رأي زميل، بل يمحو علم زملائه من الوجود محوًا، ويقدّم نفسه كمرجعٍ أوحد، فالمعرفة بدأت معه وانتهت عند حدود مكتبه.
ومفارقة الأمر أن هذا الصوت العالي –غالبًا– ما يخفي وراءه ملفًا علميًا خافتًا، أو قل: صامتًا.
لم يكتب في حياته بحثًا علميًا إلا مؤخرًا، مكتفيًا بالعيش في وهم العالِم بين طلابه، لكنه عوّض عن سنوات الغياب العلمي بحضورٍ طاغٍ في الكلام، كأنه قرر أن يعالج نقص الإنتاج بزيادة مستوى الصوت.
ولهذا الزميل أقول: “لا تسفّه زملاءك أمام طلابهم، فمن عجز العلم عن تهذيبه، لن يفلح في ذلك أحد”.
الثاني: حارس الجزئية الذهبية
رجل طيب المعشر، هادئ الطباع، لكنه مبتلى بابتلاء علمي نادر: يعرف جزئية واحدة من بحر العلوم الواسع، لكنه يراها البحر كله. فإن لم تكن ملمًا بتلك الجزئية، فمكانك –في نظره– خارج الصف الأكاديمي.
وفي كل اجتماع أو مناسبة، يروي قصته البطولية ذاتها: كيف “تاه” الأساتذة في الجزئية التي يتقنها، وكيف “مدّ لهم يد العون”، وكيف أن مهارته هذه أنقذت الموقف.
ولم يخطر بباله أن تكرار القصة لا يجعلها أكثر عمقًا، وأن التخصص الذي ينتمي إليه أوسع كثيرًا من شجرته الصغيرة التي يقف تحت ظلها.
وهو لا يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: هل يحق لمن لا يرى سوى خطوة واحدة من الطريق أن يزعم أنه يعرف الطريق كله؟
ولهذا الزميل أقول: “إن حكاياتك المكررة تحطّ من شأن أساتذة كبار، خصوصًا حين ترويها أمام صغار الباحثين الذين لا يعرفون بعد اتساع العلم. فالعلم بساتين مترامية، ومن يقف عند شجرة واحدة لا يحق له أن يدّعي معرفته بالبستان كله”.
الثالث: صانع العقد، ومحبّ الدموع
الشخصية الأكثر إثارة. يرى في تعقيد المادة بطولة، وفي صعوبة الامتحانات معيارًا للهيبة العلمية. فالسؤال عنده فخ، والامتحان معركة يجب أن يخرج منها الطالب مهزومًا مدحورًا.
روى لي أحد الزملاء أن أستاذًا من هذه الطائفة وقف أمام طلابه مزهوًّا يقول: “أنا لم أبك في حياتي سوى مرتين، مرة يوم وفاة أبي، ومرة يوم أن حصل طالب عندي على تقدير جيد!”.
يا له من قلبٍ رقيق! يبكي لأن طالبًا نجا، وخرج من المعركة حيًا.
ولهذا الأستاذ أقول: “لا تجعل دموع الطلاب وسامًا، فالامتحان ليس ميدان حرب، والتعليم ليس فخاخًا تنصبها لمن اختاروا العلم طريقًا”.
والطريف أن الوجوه الثلاثة، على اختلاف طباعها، يشتركون في سمة واحدة: كل واحد منهم يعتقد أن الجامعة وجدت لكي تثبت أهميته.
الأول يريدها أن تصفق لعظمته العلمية. والثاني أن تعترف بعبقريته الجزئية. والثالث أن ترتجف أمام أسئلته النارية.
أما الطالب، فيأتي في آخر القائمة، لا بوصفه غاية التعليم، بل بوصفه شاهدًا على عظمتهم.
وفي النهاية، إليهم جميعًا أقول: “الجامعة ليست ميدانًا للوهم، ولا مسرحًا لاستعراض الذات، ولا منصة للعقاب. الجامعة تبنى بالاجتهاد، وتنهض بالمعرفة، وتحترم بمن يعطي، لا بمن يدّعي.
وإن بقي بعضكم في ذاكرة الطلاب، فلن يبقى لأنه صاحب علم، بل لأنه صاحب حكاية.
وبالرغم من هذه النماذج، فإن جامعاتنا ما زالت تضم المئات من الأساتذة الذين يعرفون للعلم حقه، وللطالب قيمته، وللأمانة الأكاديمية قدرها.
أساتذة لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم ليثبتوا علمهم، ولا إلى التقليل من زملائهم ليظهروا تميزهم، ولا إلى تعقيد الطريق أمام طلابهم ليشعروا بقيمتهم.
أساتذة يؤمنون أن العلم تواضع قبل أن يكون معرفة، وأن الأستاذ الحقيقي لا يصنع أتباعًا له، بل يصنع طلابًا قادرين على أن يتجاوزوه.
فهؤلاء هم الذين يمنحون للجامعة معناها الحقيقي، ويثبتون أن الصورة، مهما بدت قاتمة في بعض زواياها، لا تزال تحمل كثيرًا مما يستحق الاحترام.
الأستاذ الحقيقي لا يقاس بعدد الطلاب الذين انحنوا أمام علمه، بل بعدد الطلاب الذين وقفوا على أقدامهم بفضله.
منشور تمت مشاركته
مقالات ذات صلة: