قضايا شبابية - مقالاتمقالات

الجامعة المتفلسفة

بعد رحلة ما يربو على ربع قرن مع الجامعة، أعطتني فيهم كل شيء: تحقيق الحلم، المعنى، الشغف، وجدت أنه من واجبي نحوها وهي في العناية المركزة تحت أجهزة التنفس الصناعي، أن أتحدث عنها، أن أقول ما الجامعة، كما همست لي أو كما سمعتها تتحدث يومًا، الكلمة الأولى التي تقدم الجامعة ببساطة أنها مؤسسة لإنتاج المعرفة، وهنا لنا نقاط عدة:

1– في إحدى الدورات التدريبية للأساتذة تطرق الحديث إلى إلقائي سؤال على الزملاء: أتدرون ما أهم كليتين في الجامعة؟ فتأهب ممثلي كليتين بعينهما لتلقي الإجابة واستبقاها بنظرة تواضع، فألقيت عليهم إجابة قاوموها بابتسامة أن إجابتي محض نكتة غرضها إثارة زوبعة من الجو المرح، قلت بثقة إنهما كليتي الآداب والعلوم، فمن دونهما ليس ثمة جامعة.

وحتى آخذهم إلى الجد قلت: هل يمكن أن تكون أي كلية في نطاق الكليات الطبية دون أقسام بيولوجي وكمياء حيوية وحيوان ونبات وكمياء عضوية؟ وهل يمكن أن تكون كليات في نطاق العلوم الهندسية دون أقسام الرياضيات والفيزياء والفلك؟ وهل يمكن أن تكون كليات تجارة أو سياسة أو ألسن أو تربية أو حقوق دون أقسام فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع وتاريخ وجغرافيا؟ ساد صمت وأعقبه صوت المحاضر مستكملًا إحدى دورات تطوير أعضاء هيئة التدريس.

–2 اندهاش الزملاء يعكس في الحقيقة العلاقة المغلوطة بين الجامعة والمجتمع، فالجامعة ليست مؤسسة خدمية لمجتمع قائم تلبي رغباته، فتصبح الجامعة محض انعكاس لإحدى مقولات المجتمع ألا وهي الطبقية المتمثلة في مقولة كليات القمة، بل هي مؤسسة مطوِّرة للمجتمع تخلق منه مجتمعًا جديدًا، هي منتجة للمعرفة التي تحدد للمجتمع ما ينبغي أن يكون لا أن تساعده على ترسيخ ما هو قائم.

3– هذا يعيدنا إلى إحدى العلاقات المغلوطة، علاقة المجتمع بسوق العمل، من حيث أنها خاضعة لمتطلباته، في الحقيقة أن الجامعة بما هي مؤسسة منتجة للمعرفة فهي التي تخلق سوق العمل لا العكس، لتتصور ذلك عزيزي: فلتتخيل ماذا كان ينبغي للجامعة في أول نشأتها أن تقدم لسوق العمل؟ ماذا كان يحتاج سوق العمل قبل نشأة الجامعة؟ لا شيء إلا عمالة مهارة للمنتجات البسيطة المتوفرة، أما فرص العمل الحديثة لطوطم العصر –الذكاء الصناعي– فلم يكن من احتياجات السوق، الجامعة هي التي جعلته من احتياجات السوق، ودورها أن تخلق غيره وتشعبه إلى احتياجات أخرى عدة، المؤسسة التي تلبي سوق العمل ولا تخلقه هي المعاهد الفنية لا الجامعة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

4– إذا عدنا إلى طوطم الذكاء الصناعي، فكيف يكون ثمة ذكاء صناعي يحاكي الإنسان دون أقسام الإنسانيات: الفلسفة، المنطق، علم النفس، علم الاجتماع، اللغويات، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا؟ هل تعلم عزيزي أن أكبر المنح المقدمة من شركات الذكاء الاصطناعي هي تلك المقدمة إلى الدراسات المتعلقة بفلسفة الأخلاق والإبستمولوجيا واللغويات؟ بل إن هناك عديدًا من الأقسام المشتركة بين الفلسفة والذكاء الاصطناعي في الجامعات الكبرى مثل جامعة أكسفورد وغيرها!

5– دور الجامعة لدينا يجب أن يكون بوصفها جامعة صانعة للمعرفة للمجتمع، يمكنك أن تلقي نظرة على فرص العمل المتاحة لخريجي قسم الفلسفة –أذكره كثيرًا لأنه قسمي ولأنه لا معرفة إنسانية دونه– بأن تطرح السؤال باللغة الإنجليزية –مع الشعور بالأسى –على محرك البحث جوجل، لترى ما لم تكن تتصوره عن طبيعة فرص العمل المتاحة لهم، هذا ما تفعله الجامعة عندما تمارس عملها بوصفها جامعة.

6– سأبدأ هذه الفقرة بمقولة أبنهايمر عندما طلبت منه الإدارة الأمريكية الإشراف على صناعة الوحش الذي يجعل أمريكا في المقدمة والعالم يلهث وراءها: الفتى البدين (القنبلة الذرية)، فأجابهم: أنتم لن تسبقوا أوروبا قبل أن تكون لكم فلسفتهم وفنونهم ودراستهم في التحليل النفسي والتاريخ، على أية حال كانت هذه مشكلة آنشتين عندما فر إلى أمريكا، فلم يجد أي تبجيل للعلم النظري، وكان وقتها مهمومًا بنظرية كل شيء في الفيزياء النظرية، على أي حال لم تعد أمريكا كذلك، فأقسام الفلسفة في جامعاتها أضحت من أعرق أقسام الفلسفة العالمية، قامت قوتها في بداية نهضتها على فلسفات أشد أعدائها ألا وهم أقطاب الفلسفة الفرنسية، وقود ثورة الطلبة ١٩٦٨ الفلسفة المناهضة لاحتكار المؤسسة، المناهضة للحداثة الأمريكية ذاتها، حتى تطورت فلسفتهم البرجماتية الساذجة بتأثير تلك الفلسفة الواردة، فكانت أمريكا، وكذلك الحال في معظم أنحاء العالم حتى تلك التي نظن أنها تقوم على الحرفة والتقليد، مثل الصين، فعندما اشتركت في المؤتمر العام للفلسفة المقام في بيكين في دورته الرابعة والعشرون أذهلني عدد أقسام الفلسفة وتطور الدراسات الفلسفية هناك، ما اشتركت في مؤتمر فلسفي مرموق إلا وجدت باحثًا صينيًا أو أكثر، وكذلك أمريكا الجنوبية بل وإفريقيا.

7– أعلى شهادات الجامعة وهي شهادة الدكتوراة اسمها “شهادة دكتوراة الفلسفة في …”، وهو يختزل دور الجامعة من حيث هي كيان منتج للمعرفة، الفلسفة هنا تعني ثلاثة أشياء: التفكير خارج الإطار أساس خلق المعرفة، الحرية، إعداد إنسان ذي رؤية بانورامية تبدأ من تخصص ضيق لتتجاوز به الأفق وتفتحه على الممكنات اللا نهائية.
8– وهنا نأتي إلى أهم نقطة: الوعي بالجامعة لدينا، وهنا أقصد الجامعيين ذاتهم لا الإدارة السياسية، فكثيرًا ما أفاجأ بردود الأفعال بخصوص قولي داخل الجامعة ذاتها من أن القوة الأساسية للجامعة هي مجلس القسم العلمي، الذي لا يعلوه شيء، ليس ثمة منصب اسمه رئيس القسم، فالجامعة حوار العلماء لا قيادتهم، ومجالسها دورها إنتاج المعرفة، فليس ثمة شيء سوى المجلس العلمي، وهنا أتذكر أحمد لطفي السيد وطه حسين، وأرى إلى أي مدى اغتربت الجامعة عن ذاتها.

أعتذر عن الإطالة لكن آثرت أن أنقل حديث الجامعة في غرفة العناية كاملًا.

مقالات ذات صلة:

هل أستاذ الجامعة مثقف؟

بين إنتاج المعرفة وحل المشكلات

رؤى إبداعية في فلسفة التعليم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ.د. محمد على

استاذ مساعد المنطق وفلسفة العلوم جامعة الفيوم & الجامعة البريطانية