مقالات

ويبقى الوضع على ما هو عليه!

في خريف سنة 1985، توجهت وبعض زملاء الدراسة لاستلام شهادات التخرج من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية.

آثرنا في طريق عودتنا –إذ كانت جيوبنا خاوية إلا من قروش قليلة– أن نمارس هواية المشي على كورنيش البحر.

كان بداخل كل منا حلمٌ تعتريه مخاوف المجهول من الزمن الآتي، وسرعان ما يقفز الحلم إلى اللسان فيخرج في شكل كلمات ساخرة تستحضر لا منطقية الواقع وضبابية المستقبل.

لم يقطع تسلسل الأحلام في كلماتنا سوى بائع الترمس المُمسك بعربته التقليدية، مجسدًا شخصية المصري الصابر والقانع بما قُسم له من رزق، وعلى وجهه ابتسامة تعكس حلمه البسيط ببيع ما تبقى من حباتٍ على عربته.

لم نلبث بدافع من تأثيرية المشهد الممزوج بتناقضية الظاهر والباطن من أفكارنا أن استجبنا له.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

شهادات لا قيمة لها

وقتئذ تقدم أحد زملائي وطوى شهادة تخرجه على شكل قرطاس ليملأها بحبات الترمس.

كان من الطبيعي أن تعترينا الدهشة، لكنه –وكأنما أحس بما يعتمل بداخلنا من تعليقات وتساؤلات– عاجلنا بقوله: “ربما كانت هذه هي الفائدة الوحيدة المأمولة من هذه الورقة.

لن يحتويها يومًا ملف عملٍ حكومي، وإن احتواها فبجنيهات قليلة لا تقيم صلب الجائع ولا تشبع الحد الأدنى من طموحات الوالدين.

لن تقبل بها أية فتاة كمهرٍ لها سوى بدعمٍ من حسابات بنكية بعيدة المنال، ولن ترقد في بروازٍ أنيق إلا إذا وُجد الحائط المنوط بها تزيينه.

هذه الشهادة لا قيمة لها في مجتمعنا إلا بقدر ما للورقة التي طُبعت عليها من قيمة! بل لقد تم تشويه الورقة بتوقيعاتٍ وأختامٍ فقدت مصداقيتها فلم يعد لها قيمة!”.

يبقى الوضع على ما هو عليه

التعليم - ويبقى الوضع على ما هو عليه!

لا أدري لم أتذكر هذا المشهد كلما قرأت شيئًا عن غزوة الثانوية العامة، وموقعة تنسيق القبول بالجامعات، وعن تطوير التعليم، والاعتماد والجودة، والجامعات الخاصة والأهلية.

إضافة إلى الخطط الحكومية قصيرة الأجل وطويلة الأجل للخروج من عنق الزجاجة اللا منتهي، وعن معجزاتنا العملاقة في الماضي والحاضر والمستقبل، وعن حضارة السبعة آلاف سنة!

لقد مرَّت عقودٌ، وتوالت حكومات، وانعقدت جلسات الخبراء وحكماء الأزمنة الغابرة، وما زلنا نخطط، ونطور، ونغني للإنجاز ونتغنى به المرة تلو المرة.

ما زال الحكم يدوي في آذاننا: “يبقى الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر اللجوء للتاريخ!”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

يبدو أنك لا تقرأ

يقال إن الزعيم السوفييتي خروتشوف قابل خلال زيارته لبعض المصانع عاملًا ماهرًا نشطًا، فسأل عن سيرته فوجدها منضبطة، فأمر بأن يُمنح عربة وبيتًا.

مرت الأيام، وفي عيد العمال اللاحق قام خروتشوف بجولته مرة أخرى، ومرّ على ذات المصنع ووجد العامل ذاته وأعجب به ثانيةً لتواصل عطائه، فأمر بمكافأته بعربةٍ وبيت، فقال له العامل: “يا سيادة الرفيق، لقد كافأتني العام الماضي بعربة وبيت، ولم أتسلمهما!”.

سأل خروتشوف مدير المصنع: “لماذا لم تنفذوا كلامي؟”، فما كان من مدير المصنع إلا أن أحضر له صحيفة البرافدا، وهي لسان حال الحزب، وقال له: “أعطيناه العربة والبيت، وهذه صورته يقف أمام البيت وأمام العربة”، فقال خروتشوف للعامل: “لقد أعطوك يا بني، لكن يبدو أنك لا تقرأ البرافدا!”.

اقرأ أيضاً: مناعة المجتمع العربي الاجتماعية

اقرأ أيضاً: علــوم على الأرصفة

اقرأ أيضاً: خارطة الطريق للمستقبل العربي

حافة الهاوية

أتذكر أيضًا هذه الرواية كلما قرأت أو استمعت إلى تصريحات بعض المسؤولين والإعلاميين حول كثرة من قضايا عالمنا العربي..

كورونا تحت السيطرة، تطوير قطاعات التعليم والصحة والبحث العلمي يؤتي ثماره، حكومات العالم تتوق إلى الاستفادة من تجربتنا التعليمية.

الفساد يتراجع وتتم محاصرته، الاقتصاد يتعافى والإنجازات تتوالى، إلخ، كل شيء على ما يرام، وليس في الإمكان أبدع مما كان، لكن يبدو أننا لا نقرأ البرافدا!

لا أدري هل هي لحظة يأس أم لحظة نُضج، تلك التي تدرك فيها أنك تعيش واقعًا يصعب –إن لم يكن من المستحيل– تغييره، أو حتى زحزحته قِيد أنملة عن حافة الهاوية التي يترنح عليها، مهما كتبت.

مجتمعات هشة

3 - ويبقى الوضع على ما هو عليه!

إن أغلب هؤلاء البؤساء الذين تلتقيهم في الشوارع وأماكن العمل ومواقع التواصل الاجتماعي لن يغيرهم شيء.

ربما لأنهم يائسون مثلك، أو لأنهم عاجزون، أو لأنهم راضون ببؤس واقعهم، منغمسون في عبثيته حتى الثمالة.

مدركون لهشاشة ذواتهم المتضخمة زيفًا، وعلى قناعة تامة بأن التفكير فعل انتحار، وأن النجاح في مجتمع فاسد أسرع وأيسر ألف مرة من مجرد الوعي بضرورة تغييره.

ففيه يكون البقاء للأفسد، والرفعة للأجهل، والسعادة لمن وافق ونافق وارتضى، وتعبد في محراب الفشل!

الشاهد: نظام إداري تعليمي كان –وما زال– يكابد التآكل نظرًا وتطبيقًا، يعمق الانقسامات المجتمعية، ويؤجج مشاعر الكراهية بين فئات الشعب المختلفة.

يثير الضغائن بين بناة المستقبل، ويُعلي أسوار التمييز الطبقي، ويرسخ عقيدة الكذب والاستخفاف بالعقول، ويتسق وترتيب أم الدنيا وأغلب الدول العربية في قائمة الدول الهشة على مدار العقود الماضية!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة