رياضة - مقالاتمقالات

لماذا لا يعود الحضري إلى الأهلي؟

هناك خمسة ردود تؤيد عودة عصام الحضري لناديه السابق سنعرضها مع بعض وسنضع كل رد منهم على ميزان علم المنطق.

1- ” حسام البدري المدرب الحالي ساب الفريق في ظروف صعبة والإدارة رجّعته وكأن شيئاً لم يكن”
ثم يتعقب الرد نظرة المنتصر من أخونا الزملكاوي في عيني صديقه الأهلاوي الصامت بحثاً عن رد يدعم وصلة الانفعال التي قدمها في كلامه عن المبادئ والتميز والعلو على الجميع.
صناعة الجدل: هي إحدى الصناعات الخمس التي تكلم عنها المعلم الأول أرسطو في تشريحه للدليل، والدليل هو ما يجعلنا نرجح حكماً على الآخر، الغرض من الجدل هو إقناع الشخص المجادل أو على الأقل إسكاته عن طريق عرض أمر هو مؤمن به وهذا الأمر عكس الأمر الآخر الذي يتبناه في موضوع النقاش، ما يجعل الصديق الأهلاوي يصل إلى يقين لا يدع مجال للشك بأن عودة الحضري لا تخل بالمبادئ، ولكن بنفس الصناعة يمكنك إقناع سيدة شعبية بسيطة بأن نصبها مصيدة لاصطياد فأر فوق سطح منزلها لحماية دواجنها أمر قبيح، فطالما أرادت السلامة لدواجنها وهي في الأصل حيوانات فلترضى بسلامة الفأر لأنه حيوان أيضاً، وبمثال أكثر جدية تجد الإسرائيليين يتباكون على ضحاياهم وينددون بذلك لأن القتل فعل لا تستحسنه الإنسانية وطالما أنت إنسان فعليك أن تكون محباً للسلام وألا تعتدي على أي أحد.
الجدل مفيد في التعامل مع المجادلين ولكنه ليس صحيّاً في الوصول إلى حقيقة الشيء لأنه يعتمد على المشهورات الموجودة مثل “القتل فعل قبيح، ومركب بريسين تغرق، وشكر المنعم واجب، وحسن إفشاء السلام…” وهي أفكار صحيحة بالفطرة ولكن ربما يتم توظيفها بشكل خاطئ كأمثلة الفأر والصهاينة السابق ذكرهم، وهو يعتمد أيضاً على المسلمات وهي أمور تؤمن بها فئة معينة بشدة دون غيرهم وقد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة مثل “الأهلي فوق الجميع أو تقديس البقر عند الهندوس وغيرها.

2- “يا جماعة المسامح كريم وهذا الرجل أسعدنا ويستحق أن نرد له الجميل”
صناعة الخطابة، اللعب على العواطف وإثارة الحماسة، أقصى ما تقدمه هو الظن في أمر ما ولكن المعظم من أصحاب العاطفة الجياشة يقررون أن ذلك الظن هو يقين لأنه ببساطة كلام بسيط ولمس مشاعرهم، ولذلك فالخطابة هي الراعي الرسمي للتلفاز، هي الصناعة التي يستخدمها الإعلاميون والسياسيون في إقناع الجماهير، وهي صناعة لا تتعرض للب الموضوع  مهما قيل فيها ومهما حملت من كلمات مؤثرة تجلب معها الدموع والقشعريرة.
أن ترفع رأسك مبتهجاً بجنسيتك فهذا أمر ليس له علاقة بمشكلات بلدك، وكون حي المعادي أفضل من شبرا والوراق فهذا لا يعطي تفسيراً عن سبب انقطاع المياه في المعادي مثلاً، وكون الحضري أسطورة تستحق التقدير فهذا لا علاقة له بمخالفته للمبادئ بأي صلة.

أتذكر كلمة لأحد الزعماء الخالدين يتحدث فيها عن قراره بوقف تلقي المعونة صارخاً “المعونة على الجزمة” وسنضحي من أجل استقلال قرارنا، وفي نفس الخطبة قرر تقليل الدعم عن المواطن، هكذا يتم تمرير القرارات الهامة.
هذه الصناعة تعتمد على الأمور المشهورة عند الناس والتي تلمس عاطفتهم وذوقهم

وتقنعهم دون الحاجة للبراهين، كالمعونة على الجزمة وكالمسامح كريم وكالأمثال الشعبية ولكن هذه الشهرة تختلف من بيئة إلى أخرى ومن شعب إلى آخر، مثل بقعة تؤمن بحرية المرأة وبقعة أخرى تؤمن بعدم جواز سكنها وحدها في منزل دون محرم، بقعة تؤمن بمَثَل يقول “من خاف سلم” وبقعة أخرى تؤمن بمثل “يا تموت وانت واقف يا تعيش وانت راكع”.
وتُستَخدم الاستقراءات الناقصة والتمثيل المنطقي أيضاً في صناعة الخطابة، أن تقول أن الشعب كسول أو كل السائقين همج فتلك جُمل خطابية تثير المشاعر سواء حماس أو غضب أو حزن -حسب توظيفك- ولكن قياسًا على المنطق أنت ركبت مع أكثر من سائق فكانوا همج ولكنك لم تركب مع كل السائقيين وبالتالي هذا استقراء ناقص لا يفيد سوى الظن ولا ينبغي لك أن تتعامل معه على كونه يقين.
ويُستخدم في صناعة الخطابة أيضًا المقبولات، وهي الاحتجاج بمواقف أهل الثقة، كأنك تقول في قضية الحضري مثلًا حسن شحاته ضمه للمنتخب لو كان الحضري فاسد أخلاقيًا لما كان ضمه المعلم، فحسن شحاته لا يحب غير المنضبطين
المقبولات والمشهورات والاستقراء الناقص لا يفيدوا سوى الظن في الحكم ولا يقدموا يقين وقد يكونوا على صواب وقد يكونوا على خطأ، وما يرجح صوابهم هو مطابقتهم للبرهان.

3- ” إنه السد العالي، إنه أسد إفريقيا، ألا يستحق العودة لذلك”
صناعة الشعر، تتكون من تلك الكنايات والاستعارات والتشبيهات اللغوية لخلق خيال يحرك النفس سواء بالانبساط أو الانقباض حسب الموضوع المطروح، بمعنى يفيد التأثير العاطفي.

وبمناسبة الخيال استوقفني أحد المُغنيين المتغنين بجمال الوجه والعيون واستقامة العود، وجدت له لقاءً تليفزيونياً مع زوجته وهي عادية الوجه “مش جميلة خالص” ورغم ذلك وجدته يتحدث عن دعمها له وروحها النبيلة التي صبرت على صعوبة البداية والتي لم تتغير بعد النجومية، ولا أعلم لماذا يغني علينا هذا النجم ولا أتفهم لماذا يتقبله قطاع واسع من الناس، صناعة الشعر كأختها الخطابة لا تفيد سوى الظن فهي أيضاً لا تلمس لب الموضوع.

4-” على فكرة “جوزيه كان بيضايقه ومكنش بيحبه، ما شوفتش هاجمه إزاي أول ما مشي، كان حقه يطفش”
صناعة المغالطة، الاستدلال بأمر حقيقي لإقناعك بأمر آخر غير حقيقي فيلتبس عليك الأمر، نعم جوزيه هاجم الحضري بعد رحيله المفاجئ ولكن هذا ليس دليلاً على أن جوزيه كان يعامله بشكل سيء، يستخدم ضُعاف الحجة المغالطة لتغفيل الناس، كهذا المسجون القديم حينما يريد إثبات الزعامة على حديث العهد بالبدلة الزرقاء فيأمره بجدية أن يركب الموتوسيكل المرسوم على الحائط في مزيج من المغالطة والرخامة معاً، نعم هو موتوسيكل ولكنه صورة له، المغالطة هي اقتناع الحكم بأن هدف مارادونا الشهير بيده هو هدف سليم، هي اقتناع مواطن مصري بأن أفلام محمد رمضان تكافح البلطجة لأن البطل يموت في النهاية، المغالطة هي اقتناع مواطن عالمي بأن أمريكا تكافح الإرهاب أو أن إسرائيل دولة سلام، هي اقتناع ملحد بأن الله غير موجود لأنه لا يُرى بالعين المجردة، المغالطة تعني اقتناعك بأن إحدى الراقصات ملتزمة دينياً لأنها أدت فريضة الحج، المغالطة هي صناعة الخداع.

5- صناعة البرهان، هي الصناعة التي تُستخدم للوصول إلى حقائق الأمور، يستخدمها الباحث عن الحقيقة الذي لديه الصبر على التفكير والقدرة على القيام بذلك بشكل متجرد عن هوى النفس وانفعالاتها وغضبها وبشكل منضبط يراعي قواعد المنطق، البرهان هو الدليل اليقيني الصادق الذي لا يقبل الظن ولا الكذب، أساسه بديهيات العقل البشري في الأفكار والحسن والقبح العقلي في الأفعال ونعرضها بالتفصيل تحت عنوان آلية عمل العقل في هذه المقالة
http://mashroo3na.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D9%88/
كيف يكون الرد البرهاني في هذا الموضوع؟ الحضري ترك ناديه السابق في وقت صعب هذه حقيقة، قيام حسام البدري بنفس الفعل في السابق لا ينفي عن الحضري التهمة، إنجازات الحضري لا علاقة لها بالتهمة أصلاً، إذاً الحضري مدان وإننا نبحث الآن عن المغفرة وليس نفي الإدانة، فضيلة العفو عند المقدرة فضيلة يستحسنها العقل البشري ودعت إليها النصوص الدينية، المقصود بالمقدرة هنا هو العفو دون أن يصاحب ذلك ضرراً، دفع الضرر أمر غريزي لدينا والعقل يحدد مدى خطورة الضرر حتى لا نقع في فخ القلق المرضي، إن كانت عودة الحضري ستمثل ضرراً على النادي فمن العقل ألا يعود اللاعب وإن كانت بلا ضرر فمن الفضيلة الأخلاقية أن يعود.
تدخُّل الانتقام في الأمر هو تغييب للعقل وانتصار لهوى النفس، المبدأ الحقيقي في العفو عند المقدرة وليس العلو على الجميع، الله يعفو عن المستغفر ولو كان يحاسبنا بمبدأ الانتقام لهلكنا جميعاً.

بالتأكيد لم يسع المقال لعرض الصناعات الخمس بشكل شافٍ مفصل، ولكن أود الإشارة إلى وجوب الاطّلاع على علم المنطق فإذا كان الإنسان يستخدم التفكير في كل تفاصيل حياته، السهل منها والعسير،  فالمنطق هو قواعد التفكير السليم، وختاماً أهل الفلسفة يقولون “نحن أهل الدليل نميل معه حيث يميل”.

اقرأ أيضاً:

محمد صلاح… الرأي والرأي الآخر

الفراعنة في كأس العالم .. الوجه الآخر للعملة – الخسارة ليست نهاية القصة

الإعلانات وسياسة كسب الأموال – كيف تكون الميديا في المجتمع الفاضل ؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق