سارق ومسروقفن وأدب - مقالاتمقالات

سارق ومسروق – الوجه التاسع والثلاثون

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

مرت أيام وهو وحيد يتمرغ مؤرقا في سرير غادرته زوجته لتنام في غرفة ابنتها، بعد أن طلب منها ذلك. يقف أمام المرآة ويأمر قلبه بفتوى أن ما أخذه كان حقه، لكنه لا يستجيب.

يغمض عينيه قليلا، ويضع يده على صدره، وينصت إلى النبض المتواصل، وتملأه ظنون أنه يسمع شيئا، فيرمي أذنه إلى أسفل، لكنه فجأة يوقن بأنه ليس هناك سوى الصمت، بينما تتراقص وجوه من يطاردونه على الجدران الأربعة.

يغفو دقائق متناسيا إياها، ويتمنى أن يعود فلا يجدها، لكنه ما إن يفتح عينيه حتى يجد الوجوه قد جاور بعضها بعضا في حزام لف الغرفة كلها، راح يتفحصه في فزع، فقد كانت وجوه كل الذين سرقهم وظلمهم منذ زمن طويل، بعضهم لم يكن قد رآه في رحلات المطاردة من قبل. كبت صراخا، حتى لا يسمعه أحد في البيت، وقال لنفسه:

ـ طلبت فتوى قلبي ليريحني فزادني تعاسة.

ضرب صدره، وتقدم إلى منتصف الغرفة، ثم أمعن النظر في كل الوجوه، وتقدم على مهل، ليدس رأسه بينها، مغالبا دموعه، حتى لا يراه أي من مطارديه كسيرًا. لم يكن وجهًا واحدًا، بل ألف وجه ووجه ربما، أو قل ما يزيد ولن تكون مبالغًا أبدًا، فحين يمتلئ ميدان كامل بوجوده تتزاحم، فلست مطالبا بالعد إلا على سبيل التقريب، وإن أخطأت فلا تثريب عليك.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أقول هذا أنا الراوي الذي سقطت هذه الحكاية في حجره، وظل متخفيًا وراء السطور يحدثكم عنها بعد أن سمع طرفا منها بلسان طبيب شهير، هو المسروق الأول، وتعجب وهو ينصت إليه، كيف لرجل بهذا التمكن والشهرة قضى عمره كله في خدمة البلد بإخلاص أن تنتهي به الحال مسروقا؟ وكم أضناه أن يسمع منه ذات يوم ذلك السؤال الذي لا يمكن نسيانه:

ـ لماذا نتعجب وندهش ونصدم، ونحن نعرف جيدا أن المستنقعات تطرد العصافير واليمام، ولا يمكن للصقور والنسور أن تحط عليها، لأنها لا تحب العفن، ولا تتغذى على الحشرات والهوام؟

ولأني راو دؤوب فقد سعيت إلى أن أعرف بقية الحكاية، فطلبت من الطبيب الكبير أن يتيح لي فرصة الالتقاء ببعض المسروقين غيره، فكان لي ما أردت، لكنني وجدت حكايتهم لا تزيد حكايتي إلا تأكيدًا، فأيقنت أنني أمضي على الطريق السليم، وأن كل ما لم أسمعه من المسروق الأول، وتخيلته لم يبتعد كثيرا عن الواقع،

وإن تجاوزه فإن هذا لا يُعزى إلى الفن فحسب، إنما أيضا إلى تجارب الراوي مع لصوص كثر، اكتوى بنارهم، ورآهم، وسمع عنهم، وقرأ كذلك، فساعده هذا على أن يدرك ما عليه كل مسروق من معاناة، وما عليه السارق من زهو، وعذاب أحيانا كلما استيقظ ضميره في لحظات خاطفة، أو داهمته كوابيس الليل، أو تعرض هو نفسه لمن سرقه، فأدرك تعاسة من أتعسهم بسرقته.

ولأني راو لا يكتب إلا عن شيء عرفه، فقد طلبت من المسروق الأول أن يمهد لي سبيلا لرؤية السارق من بعيد ففعل. فلأن المسروق الطبيب الكبير ظل يرتبط بعلاقة طيبة مع ابن السارق وابنته فقد عرف أنه سيذهب ذات ليلة إلى ناد له ولزملائه ممن ضربوا أقدامهم في الرمل وعيونهم إلى نجوم النهار الغائبة، فسبقه إلى هناك، وهو يحفظ ملامح وجهه، وما إن رآه، حتى جلس إلى الطاولة التي تواجهه، وظل طيلة الوقت يراقبه.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع

الوجه الخامس، الوجه السادس، الوجه السابع، الوجه الثامن

الوجه التاسع ، الوجه العاشر، الوجه الحادي عشر، الوجه الثاني عشر

الوجه الثالث عشر، الوجه الرابع عشر، الوجه الخامس عشر، الوجه السادس عشر

الوجه السابع عشر، الوجه الثامن عشر، الوجه التاسع عشر، الوجه العشرون

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الوجه الحادي والعشرون، الوجه الثاني والعشرون، الوجه الثالث والعشرون

الوجه الرابع والعشرون، الوجه الخامس والعشرون، الوجه السادس والعشرون

الوجه السابع والعشرون، الوجه الثامن والعشرون، الوجه التاسع والعشرون

الوجه الثلاثون، الوجه الحادي والثلاثون، الوجه الثاني والثلاثون، الوجه الثالث والثلاثون

الوجه الرابع والثلاثون، الوجه الخامس والثلاثون، الوجه السادس والثلاثون

الوجه السابع والثلاثون، الوجه الثامن والثلاثون

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د. عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري

مقالات ذات صلة