رياضة - مقالاتمقالات

صراع تاريخي ترجم إلى ساحة منافسة رياضية

سيكولوجية مشجع الكورة

سيكولوجية مشجع الكرة المتعصب لفريقه، ليه أنا ممكن أخسر واحد صاحبي عشان ماتش الكلاسيكو مثلا؟ ليه يا محمد زعلان ومكتئب عشان برشلونة خسر؟ ليه يا أحمد حاطط صورة مودريتش بروفايل؟ ليه مثلك الأعلى ميسي؟ ليه رونالدو اسمه الدون؟ –وهو لقب حربي– ليه يا عبد الله بتشتم محمد صلاح بحرقة كده؟

لماذا يستمر البشر في خوض الحروب؟

بكل عشوائية شبيهة بعشوائية الواقع اللي إحنا عايشينه

سنة ١٩١٠م، في عز الحروب والخلافات السياسية الجغرافية اللي حاصلة، عالم النفس المشهور “ويليام جيمس” كتب مقال غريب شوية اسمه “المعادل الأخلاقي للحرب”، مقال لطيف جدا بيتكلم عن حاجة غريبة شوية، إن بالرغم من إن الحروب وفكرتها هي فكرة دموية وهمجية إلا إن الناس بتحبها، بتحب الحروب؟!

أيوة، فكرة انتشار الحروب في العصور القديمة زي مهي فكرة بشعة، إلا إنها كانت بتسبب حالة من النشوة والرضا والانتماء لمشجعيها، من الجنود اللي بيمارسوا الحرب، والمدنيين اللي بيستنوا أخبار الحرب أو بيشوفوا مبارزات على أرض الواقع، يمكن عشان كده فرسان الحروب زمان والمشاهير منهم كانوا الأعلى سلطة وأجرًا.

الحروب كانت بتخلق حالة من الانتماء، والشعور بالقوة خصوصا لو فيها انتصار، ويا سلام لو انتصار غير متوقع أو بسبب ذكاء خطة واضعها، والصفات اللي كانت بتتناقل عن المحاربين زي الانضباط والشجاعة والتضحية، غير إنها بتربط الناس ببعضها من خلال التماسك على هدف واحد، دعم الجيش المحارب تحت راية واحدة وأهداف مشتركة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فترة السلام الطويل

بمعنى تاني، إن الإنسان بطبيعته وغريزته القبلية القديمة بيدور دايما على “نشاط” ليه تأثير اجتماعي وأخلاقي إيجابي قادر يجمع مجموعة من الناس على حاجة واحدة تحسسه دايما بالتفوق والهدف من الوجود والانتماء،

بجانب الروح التنافسية المتوارثة عموما في نفسية الإنسان من أيام ما كانوا بيتخانقوا على كهف أو معزة، جميل؟ بس لأن فكرة الحروب كانت مسيطرة فكان ده هو السائد.

طيب، مع تطور الزمن، فكرة الحروب القديمة تراجعت، مبقاش فيه جيشين وساحة حرب ومبارزة وداعمين وراهم، مفيش شيوعية صريحة، عرقية صريحة، عايشين دلوقتي في فترة كدة بقالنا ٧٥ سنة بيسموها “فترة السلام الطويل”،

فبكل بساطة، مشاكل زمان السياسية والعرقية والحروب الصغيرة والصراعات دي ترجمت على شكل المنافسة الحقيقية الوحيدة اللي العالم دلوقتي بيتابعها، كرة القدم.

الرياضة المكافئ الأخلاقي للحرب

The Football War - صراع تاريخي ترجم إلى ساحة منافسة رياضية

ببساطة كرة القدم هي الوريث الشرعي لفكرة المعادل الأخلاقي للحروب، أو التطور السلمي للحرب أو اللي بيسموه (moral equivalent) أو المكافئ الأخلاقي، الحاجة اللي بتديك نفس إحساس جدك زمان وقت حرب بس مبيخلفش نفس الخسائر الدموية للفريقين، والتشابهات بينهم كبيرة لدرجة تخوف.

الفرسان زمان اللي كانوا الأعلى أجرًا، استبدلوا بلاعبي الكورة اللي بردو الأعلى أجرًا، جيشين صغيرين لابسين ملابس موحدة، وراهم جمهور رافع راياتهم في المدرجات، جنرال اسمه “المدير الفني” بيحط خطة هجوم أو دفاع،

تنافس بين نصر وهزيمة، شعارات أقرب إلى الشعارات الحربية، ساحة حرب متمثلة في استاد، فكرة الاحتراف نفس فكرة المرتزقة مثلا، ويا سلام بقى لو الفريقين بينهم خلاف حضاري جوهري قديم في الجذور.

فكرة الديربي، الكلاسيكو، لو تدور ورا تاريخ كل فريق هتلاقي إن فيه خلافات متأصلة ورا المدن اللي بتمثل النوادي دي، إنجلترا وفرنسا، إقليم كتالونيا الانفصالي في مواجهة الجيش الملكي المدريدي، الأهلي الشعبي والزمالك الملكي، وهكذا.

كيف بدأ الصراع الكروي الشرس بين ليفربول ومانشستر يونايتد؟

على سبيل المثال ديربي الشمال الغربي بين نادي مانشستر يونايتد وليفربول، هو خلاف تاريخي بدأ من القرن الـ١٩، لما كانت مدينة ليفربول ميناء ملاحي مهم في إنجلترا وعامل حالة إنعاش اقتصادية لأهلها،

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فتقرر مدينة مانشستر إنها تشق قناة وتعمل قناة مانشستر الملاحية سنة ١٨٩٤م، واللي خلق حالة من الفقر لأهالي ليفربول، الصراع ده والكراهية دي تحولت إلى صراع كروي، ظاهره جماهير بتشجع نادي، وباطنه الموضوع أعمق من كده بشوية.

حتى ديربي مانشستر الشهير بين مان يونايتد ومان سيتي، لو ترجع بالتاريخ هتلاقي إن القرن الـ١٩ انتشرت ظاهرة بين شباب مانشستر مع انشغال الكل بالحروب، وهي ظهور وباء العصابات من فقرهم اللي كانوا بيعملوا تجمعات ويهاجموا بعض بالسكاكين،

وده اللي خلى المثقفين يتجهوا لفكرة نوادي العاملين، يعني بدل ما شاب عامل يتجه للجريمة، يروح يلعب كورة، يعني بدل ما عصابتين بيهاجموا بعض، بقوا يلعبوا ضد بعض، والمشجعين بقوا ضد بعض زي زمان، بس في نطاق كروي.

اقرأ أيضاً:

صفقة القرن واتجاه العالم

التعصب الكروي في السينما المصرية

ولم الحرب إذن؟!

أكثر من مجرد مباراة

فكرة إن لعبة كرة القدم اللي المفروض رياضة ناس كتير بتستتفهها وتستتفه وجودها من الأساس، في الواقع هي وريث شرعي للتنافسيات السياسية زمان، فكرة تعبر عن انتماء ووجود للفرد المشجع،

يعني بتستحضر روح التنافس اللي بتخلقها “أمة في حالة حرب”، وتطبقها على فريق كرة القدم اللي إنت اخترت إنك تشجعه، نفس الإحساس والتشجيع والانتماء ونفس الكراهية ونفس أعمال الشغب وكل حاجة.

هديك مثال خيالي جدا

قصة صراع سياسي في الملاعب

a06caa356e144dc3df2c22119d6ba50e 1024x574 - صراع تاريخي ترجم إلى ساحة منافسة رياضيةإنت لما بتتفرج على مباراة بين برشلونة وريال مدريد، إنت مش بتتفرج على ماتش وفنيات وبتاع، لا إنت بتتفرج على صراع وجودي بين مدينتين أو مقاطعتين بحكم ذاتي، تُرجم في مخيلة مشجعيه على صراع كروي وبطولات رياضية بقت الوريث الشرعي للبطولات العسكرية.

المقاطعة الأولى هي مقاطعة مجريط “مجرى المياه”، الاسم الأصلي لمدريد الإسبانية، العاصمة الملكية اللي اتبنت على حصن إسلامي بناه محمد بن عبد الرحمن الأوسط عشان يصد هجمات طليطلة، وسقط في إيد الإسبان وحولها فيليب الثاني إلى عاصمة إسبانيا الوليدة، ومنها سيطر الغرب على باقي الممالك المجاورة، مقر الحكومة المركزية يعني.

المقاطعة الثانية هي مقاطعة قطلونية، كتالونيا، وعاصمتها برشلونة، قومية مستقلة ليها لغة خاصة ونظام حكم خاص، شايفين إنهم تابعين لإسبانيا بالغصب، وده أدى إلى حرب أهلية بين الفرسان في كتالونيا والملكيين في طليطلة سنة ١٤٦٢م،

ومنها حصل حرب الحصّادين سنة ١٦٤٠م اللي انتهت بسيطرة إسبانيا “اتحاد أرغون وقشتالة” على الكتالونيين، اللي لحد النهاردة عايزين يستقلوا، وشايفين إن إسبانيا بتستنفذهم اقتصاديا وخلاص.

صراع تاريخي تُرجم “قوميا ووطنيا وانتماء” لساحة منافسة رياضية على ألقاب وبطولات، وتوارث أبناء وأحفاد المحاربين القدامى الكراهية الكامنة من الظرف السياسي بين المنطقتين، لساحة تشجيع لروح كل فريق، في الفوز والخسارة، الفوز بيكون متحمّل بفوز “انتمائي”، والخسارة من باب الدعم لانتماءك الشخصي للفريق ده.

حرب كرة القدم

نقدر نقول بكل بساطة، كرة القدم خرجت من كونها “رياضة تستمتع بيها ونفرح ونشجع وكده”، إلى مقياس تنافسي شبه حربي بين مجموعتين من المنتمين، اللي من خلال انتماء وتشجيع للفرق دي، خلقوا نفس الروح القديمة التنافسية في الحروب اللي كانت مفتقدة مع توقف حقبة الحروب، والدخول في حقبة “السلام الطويل”.

فمتستغربش لما تلاقي شاب كده محموق على فريقه لدرجة القهر، أو فرحان لفريقه لدرجة الاحتفال والتحفيل، القصة كلها إنه هو هو نفس الجندي أبو سيف زمان اللي كان بيخرج من بوابة النصر عشان يحارب الصليبيين، أو بيتابع حرب الروم والفرس ويهلل للروم، نفس الروح، لكن بشكل أكثر سلاما وأقل في الخسائر.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

محمد أمير

كاتب ومؤرخ وصانع محتوى

مقالات ذات صلة