اقتراحات الموقعمقالات

الفارابي وما ينبغي معرفته قبل تعلّم الفلسفة

في واحدة من أعماله الفريدة كتب الفارابي [260هـ-339هـ] رسالة صغيرة سماها “ما ينبغي أن يُقدَّم قبل تعلّم الفلسفة”، اشترط فيها عدة شروط يجب توافرها في رجل الفلسفة أو في مَن يُقبل على تعلم الفلسفة، فكانوا تسعة شروط، ثلاثة خاصة بفلسفة أرسطو، وواحد خاص بالاطلاع على أعلام الفلسفة القديمة، وأربعة منها شروط عامة بشأن كل مقبل على تعلم الفلسفة، وهو ما يهمنا، وهي كالتالي:

  • معرفة العلم الذي ينبغي أن يبدأ به متعلم الفلسفة.
  • معرفة السبيل التي يسلكها من أراد تعلم الفلسفة.
  • معرفة الحال التي يجب أن يكون عليها متعلم الفلسفة.
  • معرفة الغاية التي يقصد إليها متعلم الفلسفة.

والمتأمل لتعبيرات الفارابي في شروطه تلك، وبالنظر لها نظرة تحليلية يجد أنه استعمل مفهوم كلمة “العلم/ السبيل/ الحال/ الغاية”، فـ”العلم” الذي يبدأ به من يرغب تعلّم الفلسفة، و”السبيل” أي المنهج الذي يتخذه متعلم الفلسفة، و”الحال” أي الذي يداوم عليه والصفة التي يتصف بها رجل الفلسفة، و”الغاية” أي المرمى الذي يرمي إليه فعل التفلسف.

الشرط الأول

وهكذا، فبخصوص الشرط الأول _وهو معرفة العلم الذي ينبغي أن يبدأ به متعلم الفلسفة_ فقد ساق الفارابي أقوالا في العلم الذي ينبغي تعلمه قبل تعلم الفلسفة، كالتالي: منها من يقول “علم إصلاح النفس”. ومنهم من يقول “علم الهندسة” لما روي أن أفلاطون كان يكتب على بابه “من لم يكن مهندسا فلا يدخل علينا”. ومنهم من يقول بأن العلم الذي ينبغي تعلمه قبل تعلم الفلسفة هو “علم تهذيب الأخلاق” ومنهم من يقول هو “علم الطبائع”، ومنهم من يقول “علم المنطق”.

ويعلق الفارابي على كل هذه الأقوال بقوله: “وليس ينبغي أن يرذل واحد من هذه الآراء”، إذ مجموعها صحيح من وجوه متعددة. وذلك لأنه ينبغي قبل دراسة الفلسفة أن تصلح أخلاق النفس الشهوانية، كي تكون شهوتك للفضيلة وحدها.. وذلك يكون بإصلاح الأخلاق (الأفعال) لا بالقول وحده، وذلك لأن من لم يصلح نفسه لم يمكنه أن يتعلم علما صحيح كما قال أفلاطون: “من لم يكن نقيا زكيا فلا يدنو من نقي زكي”، وقول بقراط: “إن الأبدان التي ليست بنقية كلما غذّوتها زدتها شرا”.

ولكي تفهم طريق الحق الذي يؤَمن المتعلم من الزيغ والغلط والوقوع في الباطل يكون بارتياض علم البرهان، والبرهان على ضربين: برهان منطقي وبرهان هندسي، وكلاهما يؤديان لنتيجة واحدة وهي حفظ الأحكام العقلية من الوقوع في الخطأ. فكل ما تم ذكره من أقوال في العلم الذي معرفته قبل تعلم الفلسفة هي أقوال متضافرة في عروة واحدة.

الشرط الثاني

وبخصوص الشرط الثاني _وهو السبيل التي ينبغي أن يسلكها من أراد تعلّم الفلسفة_ فهي بتعبير الفارابي “تمام العلم والعمل”.. وبلوغ الكمال في العلم لا يكون إلا بالمعرفة، أما بلوغ الكمال في العمل فيكون أولا بإصلاح الإنسان نفسه، ثم بإصلاح غيره بعد ذلك.

الشرط الثالث

وأما الشرط الثالث _وهو الحال الذي يجب أن يكون عليها رجل الفلسفة_ فهي كما ذكرها الفارابي:

أولا: ألا تكون شهوته إلا للحق وحده كي تكون إرادته صحيحة.

ثانيا: ألا يكون محبته لأحد تدعوه لأن يختاره على الحق، أو أن يكون بغضه له يدعوه إلى تكذيبه (أي الحق).

ثالثا: وإذا كان معلِّما فينبغي أن يكون حاله مع تلاميذه التوسط بين التسلط الشديد والتواضع المفرط، لأن الأول يدعو تلاميذه إلى بغضه، والثاني إلى الاستخفاف به والتكاسل عنه.

رابعا: طول العمر، وإذا كان علاج الأبدان يحفظ العمر، فكم بالأحرى علاج النفس، أي أن علاج النفس يحفظ العمر من باب أولى.

خامسا: المداومة وشدة حرص من رغب في تعلم الفلسفة على طلب العلم، فإذا كانت الفلسفة صعبة التناول فإنه كما قيل “إن قطر الماء بدوامه قد يثقب الحجر”.

الشرط الرابع

أما عن شرطه الرابع _وهو الغاية التي يقصدها رجل الفلسفة_ فهي بعد معرفة العلة الأولى الفاعلة لجميع الأشياء، هي أن يتخلّق بأخلاق هذه العلة، أو بتعبير الفارابي نفسه “التشبه بالخالق بقدر طاقة الإنسان”. وما أرفعها من غاية.

وهكذا لا يرى الفارابي شأن الفلسفة كشأن باقي العلوم، فهي أم العلوم، ومنها خرجت معظم الفنون، ولذلك ينبغي على من يُقبل على تعلمها أن يهيئ نفسه لها علما وفعلا وحالا، فيضع نصب عينيه العلم الذي بدأ به، والسبيل التي يسلكها، والحال التي يكون عليها، والغاية التي ينشدها.

إن ما يلفت النظر بشكل وافر بشأن تلك الشروط، هو أن الفلسفة عند الفارابي ليست مجرد تنظير علمي وحسب إنما أيضا فاعلية أخلاقية تتجلى لتحقيق الكمال العملي بتحقيق الكمال العلمي، ففي رأيه أن “قليل من العلم مع العمل به، خير من  كثير من العلم مع عدم العمل به”.

ولا غرابة، فقد ألف الفارابي من قبل رسالة طويلة “في التنبيه على السعادة” وكتب “آراء أهل المدينة الفاضلة”، رسم فيها نموذجا لشكل المجتمع المثالي، أي إن التفلسف عنده مربوط بالواقع، ولا فرق عنده بين سؤال العقل وسؤال الفعل، فالفارابي إنما يربط بين التفلسف النظري والسلوك العملي لأن الفلسفة عنده ليست فقط طريقة للتفكير، وإنما أيضا طريقة للعيش.

اقرأ أيضاً:

رائد الاتجاه العقلاني في بلاد المشرق

لماذا الفلسفة الآن؟

حقيقة الفلسفة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

هاني عبد الفتاح

كاتب وباحث دكتوراه بكلية الآداب قسم الفلسفة جامعة الفيوم

مقالات ذات صلة