مقالات

أيها المُعلم.. سنكون خيوطًا في يديك!

أيها المعلم.. سنكون خيوطًا في يديك، وعلى نولك فلتنسجنا ثوبًا إن أردت، فسنكون قطعةً في ثوب العُلى المتعالي!”، جبران خليل جبران.

تبدو الصورة أبلغ من الكلمات، وتظل دموع الطفل دليل إدانة لعالمٍ بلا قلبٍ أو عقل!

الطفل البرازيلي دييغو فرازاو

إنه الطفل البرازيلي دييجو فرايزو توركواتو (Diego Frazao Torquato) (1997 – 2011)، البالغ من العمر وقت التقاط الصورة اثني عشر عامًا، وهو يلعب الكمان في جنازة مُعلمه إفاندرو جواو دا سيلفا (Evandro Joao da Silva).

كان أفاندرو يشجع الأطفال والشباب من جميع أنحاء البرازيل على المشاركة في أنشطةٍ تجنبهم عالم الجريمة، وقد اختار دييجو ليعلمه العزف على الآلات الموسيقية.

وُلد دييجو سنة 1997 في حي فقير يسمى بارادا دي لوكاس (Parada de Lucas) يقع في المنطقة الشمالية من مدينة ريو دي جانيرو (Rio de Janeiro) في البرازيل.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الظروف المحيطة بالطفل البرازيلي دييغو فرازاو

كان الوضع في هذا الحي وغيره من الأحياء العشوائية سيئًا للغاية؛ تمتد الجذور الضخمة والمتشعبة لعصابات تجارة وتهريب المخدرات والأسلحة، وتنتشر شبكات الدعارة وبؤر الاستخدام القسري للفتيات في الأعمال المنافية للآداب، ويزدهر الإتجار بالأطفال، ويسود القتل والاختطاف مقابل المال، إلخ.

بل ويزداد الوضع سوءًا حين يُولد طفلٌ يجمع بين كونه فقيرًا وكونه أسود البشرة في مثل هذا المناخ الموبوء، ويغدو من المستحيل أن يتمكن هذا الطفل من الحصول على تعليمٍ جيد أو حياةٍ كريمة بعيدًا عن عالم الإجرام!

الأسوأ من ذلك كله أن يُولد دييجو مكابدًا للأمراض الناجمة عن الضعف وسوء التغذية، ثم يصاب وهو في الرابعة من عمره بمرض سرطان الدم اللوكيميا (Leukemia)، ما أجبره على أن يتخلف عن التحصيل الدراسي، ويقضي الجزء الأكبر من طفولته في طرقات وغرف المستشفيات طلبًا للعلاج.

موهبة عازف الكمان الصغير

100573 محاولة للمقاومة - أيها المُعلم.. سنكون خيوطًا في يديك!لكن الطفل الصغير كان لديه حلم يداعب خياله ويتوق إلى تحقيقه: أن يكون في يومٍ من الأيام موسيقيًا موهوبًا ومبدعًا، أن يصبح أفضل عازف كمان في ريو دي جانيرو.

ولم لا؟ فالأحلام حُرة وإن لم يكن الحالمون أحرارًا، والخيال طليق وإن كان صاحبه مكبلًا بأغلال الفقر والمرض!

هكذا اتجه دييجو إلى تعلم العزف على آلة الكمان عن طريق اقتراض بعض المال من عددٍ من الأشخاص الذين تعاطفوا معه، وسرعان ما أصبح اسمه معروفًا بين أطفال الشوارع ومرتادي عالم الإجرام كعازفٍ مُتيَّم بالموسيقى!

في هذه الأثناء وصل أستاذ الموسيقى إفاندرو جواو دا سيلفا إلى حي بارادا الفقير في وظيفة أخصائي اجتماعي مهمته رعاية الأطفال.

تفاجأ بموهبة دييجو حين استمع إلى عزفه على الكمان، فقرر تدريبه وضمه إلى فرقة محلية يقودها. كان عازف الكمان الصغير موهوبًا وعاطفيًا وجميلًا لدرجة جعلت «إفاندرو» يوليه عناية خاصة ويهتم به بشكلٍ لم يشعر به الطفل من قبل!

اقرأ أيضاً: تأثير المزيكا في الشعوب وتشكيلها للوعي الإنساني

تعرف على: أسباب غياب الأعمال الفنية الموجهة للطفل

اضغط على الاعلان لو أعجبك

اقرأ أيضاً: المعلم البداية

مقتل أستاذ الموسيقى

لقد أحب الموسيقى، وأحب أستاذه الذي ساعده على التخلص من الفقر، وعلَّمه كيف يستعيد إنسانيته التي أوشكت الشوارع أن تشوهها، وكادت قسوة البشر أن تقتلها.

في لحظة فارقة من سنة 2009، قُتل هذا الرجل الملهم في عملية سطو مسلح قام بها رجلان تجردا من بشريتهما، لقد ألقياه أرضًا قبل أن يطلقا عليه النار، ثم شرعا في سرقة سترته قبل أن يلوذا بالفرار.

لم يكن الشارع خاليًا، بل تمت عملية القتل أمام أعين رجال الشرطة الذين تركوه ينزف حتى الموت!

في جنازته، وقف الطفل محطمًا يعزف على الكمان مقطوعة موسيقية مفضلة لمعلمه، بينما يحترق قلبه وتنهمر الدموع من عينه.

العازف الباكي يرثي أستاذه بدموعه

photo 2022 09 07 18 33 03 - أيها المُعلم.. سنكون خيوطًا في يديك!
Source: http://thepoetproject.tumblr.com/post/50365748868/brazilian-boy-diego-frazao-torquato-playing-at-the

HUMBLE THE POET: Brazilian boy Diego Frazao Torquato

ليلتقط المشهد مصور محترف وينشره في إحدى الصحف اليومية المعروفة في البرازيل تحت عنوان: “صورة حساسة للتاريخ الحديث”، لكن شهرة الصورة تجاوزت حدود البرازيل لتعُم العالم بأسره!

تحت تأثير المشهد الحزين، تمت دعوة دييجو للانضمام إلى فرقة معروفة من القُصّر تسمى فرقة هوب (Hope)، تشرف عليها منظمة تطوعية تعمل ضد تورط القُصّر في تهريب المخدرات.

في غضون شهر تقريبًا أصبح دييجو نجم هذه الفرقة، ودُعي للظهور على قناة جلوبو (TV Globo) البرازيلية؛ أكبر شبكة تليفزيونية في أمريكا اللاتينية، وثاني أكبر شبكة على مستوى العالم.

وفاة العازف الباكي

لكن هذا الحظ لم يدم طويلًا، ففي فبراير من سنة 2010 تم إيداعه المستشفى في محاولةٍ للسيطرة على مضاعفات سرطان الدم، حيث كان يعزف على الكمان من حينٍ إلى آخر للتخفيف عن المرضى!

لم تنته القصة عند هذا الحد، ففي غضون عام من بكائه على معلمه في جنازته، وعزفه لأحب المقطوعات إليه، وفي الأول من أبريل سنة 2010، تُوفي الطفل متأثرًا بتفاقم الآثار الجانبية المصاحبة للالتهاب الرئوي، ليلقى أستاذه في عالم غير العالم، عالم لا تنقطع معزوفاته، ولا تُقتل فيه المشاعر، ولا تتساقط فيه الدموع!

عالم لا تقسو فيه الأفئدة، ولا تُدنس الألسنة، ولا تنضح فيه النفوس بالخبث والكراهية! لقد عاش في بئرٍ مظلمة، لكن حلمًا مضيئًا كان يداعب خياله، وكابد مرضًا عنيفًا، لكنه تعايش معه برفقة الموسيقى وروعتها!

كيف سيتذكرك العالم؟

قال أحد أصدقاء دييجو في جنازته: “لعل الإرث الذي تركه دييجو هو الأمل، هو الرغبة في التغيير، وإلهام الملايين حول العالم”.

وأنت عزيزي القارئ، ألم يئن لك أن تسأل نفسك كيف سيتذكرك العالم؟ وما إرثك الأعظم الذي ستتركه للبشرية؟

الحياة لعبة غير عادلة، مليئة بالتنمر والتحديات، فإما أن تدهسك بأقدام غليظة خشنة، وإما أن تقف وتقاوم مثلما فعل دييجو، عش بالحب، عش بالأمل!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة