علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

القيم الأخلاقية الضائعة هي الرصاصة الأشد فتكاً في صدر أي مجتمع

هذا شجاع يقتحم منزلا يحترق، غير آبه بالخطر الذي قد يتعرض له فى سبيل إنقاذ إنسان آخر … وهذه عطوف  تسند امرأة عجوز أنهكها المرض، أثناء عبور الطريق …وذاك شريف  أماط أذى ألسنة بعض الشباب عن فتاة،  فأمن قلبها بعد ارتعاد …وهؤلاء مناضلون لازالوا صادقين في دفاعهم عن الأوطان.  كل هذه الأفعال إنسانية خالصة، ليس الهدف منها أي منفعة شخصية،  بل قد يتعرض فاعلها لخطر، إنها القيم الأخلاقية النبيلة.

فما مصدر هذه الأفعال “التي يمكن وصفها  بالغرابة في زمننا” ؟ وما الدافع وراءها ؟

الجانب المادي والمعنوي

مصدرها حقيقة الجوهر الإنساني، المكون من جانب مادي وآخر معنوي؛ فلما يأكل الإنسان مثلا فإنه يحافظ على بقاء جسده المادي،  ولما يقدم على فعل أخلاقي  نبيل، فإنه يروي ظمأ الجانب المعنوي منه، والعقل الواعي بالأخلاق النبيلة يجعل الجسد القادر طوع هذه الأخلاق، فتتسم الأفعال بأنها أخلاقية فاضلة .

لكن لأن جسد الإنسان المادي يمكن معرفة وزنه وإجراء التجارب عليه،  بينما القيم الأخلاقية لا يمكن قياسها،  وزنا أو لونا، أوحتى أثراً- كتأثير الجاذبية الأرضية على الأجسام مثلا– ادعى البعض أن الجانب الأخلاقي في الإنسان وهم  أوأنه حجة الضعفاء !  وهؤلاء اختزلوا الإنسان في جسده، واختزلوا دوافع أفعاله في بقاء الجسد حياً، والارتقاء به مادياً.

تبدو الفكرة القائلة بأن “الأخلاق الفاضلة وهم”  مستحيلة بداهة، وإذا كان أصحاب الخلق النبيل قلة، فمدعو الخلق النبيل كثر، وادعاؤهم  دليل على وجود أخلاق فاضلة، تماما كما العملات المزيفة دليل على وجود العملات الأصلية .

المهم أننا لما تخلينا عن العقل المتيقن بوجود الأخلاق، وجدت  فكرة وهم الأخلاق طريقها لتُهلكنا نحن المغيبين. صارت اللامبالاة باحتياج الآخر لنا عادة،  بينما تقديم العون له غرابة ! صار تخريب الأوطان ونهبها أمرا مبرراً بالرغبة في السيطرة المادية، وبسط النفوذ والقُوَى، بينما المناداة بالحقوق والنضال من أجل حرية الأوطان شيء لا مبرر له !

إنكار القيم الأخلاقية

الرصاصة الأشد فتكاً هي فكرة إنكار القيم الأخلاقية ؛ فنحن إن لم ننكرها بالقول صراحة فأفعالنا–بلا مبالغة في الوصف- تنطق بها. غاب العقل فتسللت هذه الفكرة المدمرة  وفضلنا الأهداف الواهية  المرتبطة بالجسد، على الأهداف الحقيقية الباقية المرتبطة بالرقي الأخلاقي، الذي يحوي في ذاته رقي الجسد أيضا.

لم يعد العدو يبذل جهداً في توجيه الرصاصة نحونا! بغياب العقل أخذناها منه ووجهناها صوب أنفسنا! فإن أردت أن ترى  ذلك، فقارن بين كم الأفعال المدفوعة  بالمصلحة، وبين كم الأفعال المدفوعة بحس خلقي نبيل!

الرصاصة نوجهها في كل اتجاه، ولعل أخطرها مؤسسة الأسرة المنوط بها بناء أفراد صالحين يرتقون بالمجتمع وبأهدافه، وهذا البناء يتأتى بالتربية السوية التي  تعنى بالإنسان ككل، أي بجانبيه المادي والمعنوي.

اختفاء القيم بدأ داخل الأسر

لما تخلت الأسرة عن الاهتمام بالقيم الأخلاقية ،  صارت تلتمس الأمان في المادة، وانحسرت عملية التربية نفسها في توفير الحاجات المادية التي لا تنتهي؛ فلم يعد هناك وقت لغرس قيم مثل حب الخير والإيثار في الطفل. فالأب يدور في طاحونة  جمع المال من أجل سد الاحتياجات، وجلب الكمالات، ظنا منه أنه يؤدي دوره بكل تفانٍ، لكنه في الحقيقة يحرم نفسه لذة بناء إنسان فاضل.

والأم بالطبع لما قللنا من شأن  القيم الأخلاقية تقزم دورها كأم مربية،  وسقطت قيمة الأمومة، فصارت المرأة في أعيننا أقل أهمية من الرجل، فاضطررناها لأن تعتبر مسؤولية الأمومة ليست بالقيمة،  بل أحيانا تعتبر ارتباطها بمنظومة الأسرة عائق أمام نجاحها  في العمل خارج المنزل. ليس القصد أن نحرم المجتمع شرف الاستفادة من عمل المرأة، ولا سيما أن المجتمع حاليا في أشد الاحتياج لها، إنما القصد هو التنويه إلى  أهمية ترتيب الأولويات عند الأب والأم كما يجب.

أما الطفل، في ظل مجتمع يعيش فوضى إهمال القيم الأخلاقية،  فهو بالطبع محروم من حقه في التربية السوية، رغم قدرة الأبوين على منحه ذلك الحق.

ولعل مما يساعد على تحسين هذا الوضع، إعادة ترتيب الأولويات ترتيباً صحيحاً،  عن طريق معرفة قيمة كل عمل نقوم به؛ فوظيفة التربية السوية، ليس هناك غير الأب والأم ليقوم بها، فإن قام الأب أو تعاون الاثنان في توفير ما يسد الاحتياجات المادية للأسرة، فما الداعي لكسب المزيد؟ هنا الأولوية صارت للتربية السوية، وهذا واجب عليهما.

فالتماس المستقبل الآمن في المادة، كانتظار هطول الذهب من السماء بدل الماء. المادة ليست أساس بناء حضارة، كما الذهب لا يسقي زرعا.   لذلك الأمان الحقيقى والمستقبل الأفضل يبدأ  ببناء إنسان،  قوته في ثوابت يؤمن بها، وأهداف كبرى يسعى إليها؛ وهذا ما تفعله التربية السوية، تمهد الطريق  لمستقبل أفضل.

المستقبل يستغيث

مجتمعنا فتكت به فكرة غياب الأخلاق، فما شكل حاضره؟ وما شكل المستقبل الذي ينبئ به هذا الحاضر؟

لا أريد القول بأن الحاضر يسوق إلى مستقبل أسوأ، إنما حاضرنا يستنجد بنظرة متأنية عاقلة، تردع الرصاصة الأشد فتكاً، تردع إهمال القيم، تردع  غياب الحقيقة عن إنسان ما زالت أنفاسه تتلاحق !

وبقي أن نتذكر سوياً هذا القول: “كل قوة في هذا الكون، تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة، تبدأ بانهيار أخلاقي.” أ/علي عزت بيجوفيتش .

اقرأ أيضاً:

كيف تتهذب النفس البشرية ؟

وأنا كمان مش قليل الأدب

الأخلاق وتأثيرها على الفرد والمجتمع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى