مقالات

أزمة مستوطني الشمال

تحليل علم الاجتماع العسكري لأزمة مستوطني شمال إسرائيل مع الجيش والحكومة

قراءة في تقرير اللواء رافي مينو (Rafi Milo) في معهد دراسات الأمن القومي (Institute for National Security Studies)

الجانب الأول: ما جاء في تقرير مركز الأمن القومي الإسرائيلي للواء “رافي مينو” بخصوص استياء مستوطني الشمال

وفق دراسة واختبارات ميدانية نشرها (Institute for National Security Studies)، وشارك في إعدادها اللواء (Rafi Milo) ومسؤولون أمنيون وباحثون، فإن حالة الاستياء بين مستوطني الشمال لا ترتبط فقط بالتهديد العسكري من لبنان، بل بأزمة ثقة عميقة مع الحكومة والجيش الإسرائيلي.

أبرز ما ورد في التقرير والدراسات المرتبطة به:

  • وجود فجوة كبيرة بين رؤية المؤسسة العسكرية والحكومية ورؤية سكان الشمال المهجّرين بشأن ما يعنيه “الأمن” اللازم للعودة إلى منازلهم.
  • المستوطنون لا يكتفون بالوعود أو بالشعور النفسي بالأمان، بل يطالبون بضمانات أمنية ملموسة ودائمة على الحدود مع لبنان.
  • نحو 90% من المشاركين رأوا أن الوجود العسكري الكثيف والدائم على الحدود شرط أساسي لاستعادة ثقتهم والعودة إلى مناطقهم.
  • قرابة 70% عارضوا ترتيبات وقف إطلاق النار لأنها لم تقنعهم بأن الخطر قد زال فعلًا.
  • التقرير أشار إلى أن سوء المعاملة المدنية للمهجّرين، وتأخر الحكومة في معالجة مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، عمّق الشعور بالغضب والاستياء.
  • استطلاعات أخرى أظهرت تشاؤمًا واسعًا بشأن العودة، إذ رأى أكثر من 82% من الإسرائيليين أن الوضع الأمني لا يسمح بعودة طبيعية وآمنة لسكان الشمال.

ومن اللافت أن رافي ميلو نفسه اعترف في لقاءات مع سكان الشمال بوجود فجوة بين تقديرات الجيش السابقة والواقع الفعلي على الأرض، قائلًا إن هناك “فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعليًا” فيما يتعلق بقدرات حزب الله.

يكشف التقرير أن المشكلة لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى أزمة شرعية وثقة بين المجتمع الحدودي والدولة. فحين يشعر السكان بأن الجيش لم يعد قادرًا على توفير الحماية التي وعد بها، تتآكل إحدى أهم ركائز العقد الاجتماعي الإسرائيلي، وهي معادلة “الخدمة العسكرية مقابل الأمن”. لذلك فإن استياء مستوطني الشمال يعكس أزمة ثقة مؤسسية أكثر من كونه محض رد فعل على تهديد أمني مؤقت.

الجانب الثاني: تحليل علم الاجتماع العسكري لأزمة مستوطني الشمال في إسرائيل

لا يمكن فهم استياء مستوطني الشمال باعتباره محض رد فعل على القصف أو التهجير، بل ينبغي النظر إليه بوصفه أزمة بنيوية تمس إحدى الركائز الأساسية للمجتمع الإسرائيلي، وهي نظرية المجتمع الحدودي (Frontier Society) التي تشكلت منذ قيام الدولة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أولًا: المجتمع الحدودي خط دفاع اجتماعي

في الفكر الأمني الإسرائيلي لا ينظر إلى المستوطنات الحدودية باعتبارها تجمعات سكانية عادية، بل باعتبارها “مواقع متقدمة للدولة”. فالمستوطن في الجليل أو غلاف غزة يؤدي وظيفة مزدوجة: مواطن يعيش حياة مدنية، عنصر ضمن منظومة الأمن القومي.

ولهذا حصل سكان الحدود تاريخيًا على امتيازات اقتصادية وأمنية مقابل قبولهم العيش في مناطق التهديد.

لكن أحداث السنوات الأخيرة أضعفت هذا العقد الضمني. فالسكان يسألون اليوم: إذا كانت الدولة غير قادرة على حمايتنا، فلماذا نستمر في أداء هذا الدور؟

ثانيًا: أزمة الثقة العسكرية

من أهم ما يكشفه تقرير رافي ميلو أن المشكلة ليست في حجم الخطر فقط، وإنما في تراجع الثقة بالمؤسسة العسكرية.

في علم الاجتماع العسكري توجد قاعدة معروفة تقول: “الجيوش تنتصر عندما يثق المجتمع بقدرتها على الحماية، حتى قبل استخدامها للقوة.”

بعد هجوم 7 أكتوبر وما تلاه من إخلاء عشرات الآلاف من الشمال، بدأ كثير من الإسرائيليين يشعرون أن الجيش الذي كان يقدّم باعتباره الأقوى في المنطقة لم يعد قادرًا على منع التهديدات قبل وصولها إلى التجمعات السكانية.

وهنا يظهر ما يسمى: أزمة الشرعية الأمنية (Security Legitimacy Crisis). فالمواطن لا يحاكم الجيش بناءً على عدد الطائرات أو الدبابات، بل بناءً على قدرته على توفير الشعور بالأمن.

ثالثًا: التحول من الخوف إلى الإحساس بالخيانة

في الظروف الطبيعية يخاف السكان من العدو. أما في حالات الصدمة الاستراتيجية فيتحول السؤال من: “ماذا سيفعل بنا العدو؟”، إلى: “أين كانت الدولة عندما احتجنا إليها؟”.

وهذا التحول بالغ الخطورة في علم الاجتماع العسكري، لأنه ينقل مصدر القلق من الخارج إلى الداخل. فكثير من سكان الشمال باتوا ينتقدون: الحكومة، الجيش، أجهزة الاستخبارات، القيادات السياسية، أكثر مما ينتقدون الخصم نفسه.

رابعًا: تآكل أسطورة “الحدود الآمنة”

منذ عقود اعتمدت إسرائيل على فكرة أن الحدود الشمالية يمكن إدارتها بالردع. لكن تجربة الحرب الأخيرة دفعت قطاعات واسعة من سكان الشمال إلى الاعتقاد بأن الردع لم يعد كافيًا.

ومن منظور سوسيولوجي فإن انهيار الثقة بالردع أخطر من الخسائر المادية نفسها، لأن الردع في جوهره ظاهرة نفسية واجتماعية قبل أن يكون ظاهرة عسكرية.

خامسًا: آثار ديموجرافية طويلة المدى

يشير علم الاجتماع العسكري إلى أن المجتمعات الحدودية لا تنهار فجأة، بل عبر عملية بطيئة من:

  • الهجرة الداخلية.
  • انخفاض الاستثمار.
  • تراجع الخدمات.
  • فقدان الثقة بالمستقبل.

ولهذا تخشى المؤسسات الإسرائيلية من أن تتحول أزمة الشمال إلى ظاهرة دائمة تدفع الشباب والعائلات إلى الانتقال نحو وسط إسرائيل. وعندها تصبح المشكلة ليست أمنية فقط، بل ديموجرافية واستراتيجية.

سادسًا: دلالة التقرير على مستقبل النموذج الإسرائيلي

أهمية تقرير رافي ميلو أنه يكشف أن التحدي الحقيقي ليس إعادة السكان إلى منازلهم، بل إعادة الثقة بالدولة. فالعودة الجسدية يمكن أن تتحقق بقرار حكومي، أما العودة النفسية والاجتماعية فتحتاج إلى استعادة الإيمان بقدرة الدولة على الوفاء بوظيفتها الأساسية: الحماية.

ومن منظور علم الاجتماع العسكري يمكن القول إن استياء مستوطني الشمال يمثل مؤشرًا على أزمة في العقد الاجتماعي الأمني الإسرائيلي، أي العقد الذي قام لعقود على معادلة بسيطة: “الخدمة العسكرية والولاء للدولة مقابل الأمن والحماية.”

وكلما اتسعت الفجوة بين طرفي هذه المعادلة، ازدادت احتمالات ظهور أزمات ثقة داخلية قد تكون آثارها على المدى الطويل أخطر من الخسائر العسكرية المباشرة.

 الخلاصة

يكشف تقرير رافي ميلو أن قضية الشمال ليست محض مشكلة حدودية، بل اختبار لقدرة الدولة الإسرائيلية على المحافظة على نموذج “المجتمع المعبأ أمنيًا”. ومن منظور علم الاجتماع العسكري فإن أخطر ما في الأزمة ليس التهديد القادم من وراء الحدود، بل احتمال تآكل الثقة بين المجتمع الحدودي والدولة، لأن هذه الثقة تمثل أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية لإسرائيل منذ نشأتها.

مقالات ذات صلة:

لماذا يحاربوننا؟!

قراءة في أزمة المعنى والوجود في المجتمع الإسرائيلي المعاصر

أصبحت إسرائيل تبحث عن ديكور

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري