لماذا يحاربوننا؟!

من وقت الحروب الصليبية (1095م) وحتى يوم الناس هذا، اختار الغرب أن يحاربنا بالطرق كلها، وحتى بعد طرده وإخلاء المنطقة العربية منهم تمامًا (1291م)، لم نسلم من عدائهم وكيدهم، وعاود حربه علينا ثانية في المراحل الاستعمارية المعروفة، وهو يعلم ويشهد بنفسه أنه إنما يواصل الحروب الصليبية.
قالها الجنرال الإنجليزي إدموند اللنبي حين دخل القدس سنة 1917 م، وقالها الجنرال الفرنسي جورو حين دخل دمشق سنة 1920م، وخاض الغرب حربيه العالميتين، وأنهاهما وعينه على ديارنا، وحين قرر أن يغادر بجيوشه عمل ألف حساب وحساب لما بعد خروجه.
فكانت إسرائيل، وكانت حقبة الانقلابات العسكرية، وكان الهدم التدريجي لمصادر القوة والمنعة والصلابة في عالم الإسلام، بدءًا من الثروات الطبيعية، وانتهاء بتيارات الفكر والإصلاح، مرورًا بحروب هنا وهناك.
كانت أشد حروبه وقعًا حرب (1967م) التي تجاوزت في آثارها خسائر الحروب التقليدية، وكانت إيذانًا بعملقة إسرائيل وتعاونها التام مع دولة الاستعمار الجديد الخارج منتصرًا بقنبلة نووية: “أمريكا”، والاثنان يحارباننا الآن في ديارنا وديننا وأصولنا الحضارية والتاريخية.
بعد أحداث سبتمبر 2001م وتفجير برجي التجارة في نيويورك، امتلأ الإعلام الغربي، والأمريكي خصوصًا، بطرح تساؤل بريء! بشأن ما يحدث، وقالوا جميعًا: “لماذا يكرهوننا؟”.
الضمير هنا عائد على عالم الإسلام، الذي يفترض أن يكون الفاعلون للتفجير خرجوا من بيئته وثقافته، وأنتجوا هذه المشاعر بالغة العدائية لمجتمع طيب، ودولة بريئة اسمها أمريكا، جاءت بحجمها القاري الضخم وثرواتها المهولة في لحظة تاريخية نادرة لتكون القوة الأولى والمهيمنة في البر والبحر والجو.
ورغم أن العمل لا قيمة له على الإطلاق في سياق المواجهة الحضارية والتاريخية بين الشرق والغرب، وأنه ضار للغاية بسمعة الإسلام والمسلمين، فإن الإعلام الذي تسيطر على أغلبه التيارات الصهيونية صوروا الموضوع على أنه من ثمار فكرة الجهاد الإسلامي وحب الشهادة والموت في سبيل الله. وتولى المستشرق اليهودي الخبيث برنارد لويس وتلاميذه الترويج لهذه الفكرة بهذا المعنى.
الموضوع انتهى، ومر عليه ربع قرن، تخللهم غزو أمريكا لبلدين إسلاميين بحجة القضاء على “المجاهدين” في أفغانستان، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل في العراق.
انسحبت أمريكا من أفغانستان بعد عشرين سنة، لكنها ما زالت في العراق، وعملت على تزكية الخصومات الطائفية بداخله، وانتهى العراق تقريبًا بوصفه دولة لكل شعبه، ووطنًا لكل أهله، إلى أن يحين الحين.
إيران في هذا الوقت تعاملت مع دخول الجندي الأمريكي لأول مرة إلى مناطق لم يدخلها من قبل (أفغانستان والعراق) بكثير من الحذر، لكنها لم تتخذ منه موقفًا عدائيًا، ودارت الأيام بما تدور به.
وحدث “طوفان الأقصى” ودلت كثير من الدلائل أن إيران كان لها دور كبير في تسليح المقاومة الإسلامية في غزة، كما كان لها دور أكبر في تسليح المقاومة في لبنان.
وبمفهوم الأمة الواحدة تدخل حزب الله لدعم غزة وقتها بما سمحت به السوامح، فكان يقصف المناطق الشمالية في إسرائيل بزخات صاروخية محسوبة.
استشهد تقريبًا الصف القيادي الأول كله الذي شارك في طوفان الأقصى، واستشهد معه آلاف من سكان غزة ودخلت القوات الإسرائيلية بقوة الفعل الأمريكي إلى غزة، لكن هذا لم يكن كل شيء، ولا نهاية لكل شيء.
فلقد انتبه العالم كله إلى ما يحدث في المنطقة كلها من زمان الزمان، وبدأت الأسئلة تروح وتجيء عن هذا الذي يجري وعن سبب كل ما جرى.
ورغم أن السياسة في الغرب ما زالت على مركزيتها في الإحلال والتبديل، والتسليم والتسلم، فإن قوة الحدث وروعته التي ليس لها نظير في الصبر والشجاعة، أوصلت كثيرًا من الرسائل إلى حيث يجب أن تصل.
هنا عندنا، حيث يتحرك الوعي البكر عند الأجيال الصاعدة تجاه ما رأوه وسمعوه وعاينوه، وهو الوعي الذي سيلحقه إن شاء الله ما يساويه من الفهم والإعداد للانتقال إلى المراحل التالية.
هذه هي “فطرة الإحساس التاريخي” التي لا يتلقاها المتلقي في الكتب والمدارس، لكنه يتلقاها في الحياة ذاتها التي عاشها وعايشها.
وهناك عندهم حيث تأكدت جريمة “الكذب الطويل” التي عاشها الغرب في المعرفة بهذا الذي يجري في هذه البقعة من العالم!
كان لا بد من تلك الحرب الحالية، لتتكشف سلاسل الإمداد بالكذب المستمر، وسنسمع صدى الوعي لدى الناس العاديين حين ينطق ساستهم بتعبيرات تعكس عمق ما يدور في وعي الناس مثل: هذه الحرب ليست حربنا!، ليتفادوا ردود الفعل التي بدأت من وقت طوفان الأقصى في تساؤل مريع: لماذا تحاربون هؤلاء الناس في هذه البقعة من العالم؟!
وسواء كان المعنى (بالإجابة الخرساء)، أهو في أمريكا أم هو في إسرائيل؟ فقد تكشفت الحقائق كلها وأعلنت عن نفسها بالصراحة والوضوح كله.
هذه المنطقة هي قلب العالم، وتمتلك ذخيرة حضارية ودينية موثوقة ومقنعة، تكفل لها تحقيق السلام، سلام الإنسان مع الوجود، وسلامه مع نفسه، وسلامه مع الآخرين، أيًا ما كان هؤلاء الآخرين، من ملته أم من ملة أخرى، من عرقه أم من أعراق أخرى.
الغرب قديمًا لم يتعرف على نفسه إلا حين عرفنا، ولم يُعرّف نفسه إلا بتعريفنا، وقد كانت هذه دورة من دورات التاريخ.
اليوم نحن في دورة جديدة من دورات التاريخ، وما هذا الذي رأيناه من الصبر والجلد والتحمل والشجاعة والإبداع في غزة (أولًا) ثم في إيران ولبنان حاليًا، إلا ليعرفنا الغرب بعيدًا عن استشراقه القديم المليء بالأكاذيب، وبعيدًا عن السياسيين الذين يغنون المعزوفات القديمة، وبعيدًا عن إعلامه المزخرف بالأكاذيب.
إنهم يحاربوننا، ليقتلوننا ويقتلون أفكارنا، لكنهم لا يعلمون أنهم بهذه الحروب، يحيوننا ويحيون أفكارنا!
مقالات ذات صلة:
بين الشرق والغرب ما يجب أن يكون
إسرائيل بين الأندلس والولايات المتحدة الأمريكية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا