مقالاتسارق ومسروقفن وأدب - مقالات

سارق ومسروق – الوجه الثالث والثلاثون

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

أرادت أسرة السارق أن تسري عنه، وترفع بعض الاكتئاب الذي أصابه، وجعله يلتهم كل يوم كمية هائلة من الطعام، فقررت زوجته أن تقيم له حفلا صغيرا بمناسبة يوم ميلاده، بعد أن كف هو لسنوات طويلة عن مثل هذا التقليد، الذي لازمه في طفولته وأول الشباب، ثم نسيه في أيام الرمل والحصى المسنون.

أنبأت الزوجة ابنه وبنته، وحددوا سويا كل الترتيبات اللازمة في سرية تامة، لتكون مفاجأة له، تسهم في خلع جزء من حزن دفين، جعله يغضب لأتفه الأسباب في الأيام الأخيرة، ويميل إلى عزلة وشرود.

ذهب الابن إلى محل فاخر لصنع الحلويات وأمده بصورة لوالده كي تعتلي “تورتة” متوسطة الحجم، وعاد بها قبيل المغرب، لتخبئها الأم في المطبخ، ومعها زجاجات المياه الغازية والعصائر، وخمس شمعات كبرى، كل واحدة تمثل سنوات عشر، وست صغار، واحدة لكل سنة، ثم شمعتين أخرتين بلون أحمر، الأولى على هيئة الرقم 5 والأخرى 6 لتشكلان معا الرقم 56، وبالونات وحبال زينة ملونة.

كانت تعرف أنه يظل في غرفته وقتا طويلا، ولا يخرج إلى الصالة إلا نادرا، فأسرعت بمساعدة ابنها وابنتها بوضع أشياء الحفل على مائدة الطعام، وتم تركيب الزينة ونفخ البالونات في سرعة، ولم تمضِ سوى نصف ساعة حتى كان كل شيء معدًا للبهجة والامتنان.

ما بعد تجهيزات الحفل

نقرت باب غرفته خفيفا، فلم يرد. ارتفع نقرها وصار طرقا، فجاء صوته خافتا متعبا، فدخلت إليه. وجدت جالسا على حافة السرير، رأسه ملقى إلى الخلف، وعيناه غائمتان. ربتت كتفه، وقالت له:

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ـ بنتك تنتظرك في الصالة.

رد في تثاقل:

ـ أنا تعبان.

تحركت حتى صارت جالسة في مواجهته، وقالت في استعطاف:

ـ لا تكسر خاطرها.

نفخ في غيظ وقال لها وهو يعتدل قليلا:

ـ نادي عليها لتأت هنا.

ردت سريعا:

ـ هي تريدك هناك.

ـ وما الفرق؟

ـ بصراحة! بصراحة، هي جهزت لك ما تأكله، ووضعته على المائدة .

ابتسم في فتور، وقال:

ـ تصرف يليق برجل أكول.

مفاجأة غير سارة

وقام يغمض عينيه ويفتحمها في كسل متلمسا طريقه إلى المائدة . وما إن فتح باب الغرفة ورأى الزينة سابحا في دهشة وتعجب، حتى أقبلت البنت وأخوها، وهما يغنيان: Happy Birthday to you، وشاركتهما الأم، فأدرك أن ذكرى ميلاده تصادف اليوم.

اقترب من المائدة مغالبا الظلام الذي يشتد في نفسه ودافعًا كل ما يستطيعه من قدرة كي ترف ابتسامة على شفتيه فارتعشتا، ثم انفتحتا في فزع، وانبلجت عيناه متسعتين عن آخرهما، وصرخ:

ـ ابعدوه.

استغربوا ما رأوه، واقتربت من ابنته، وسألته في تودد:

ـ خير يا بابا؟

رمى بصره نحو “التورتة”، وقال:

ـ تضعون عليها صورة عدوي يا كلاب.

نظروا إلى حيث ينظر متعجبين. كانت صورته هو وقد زم شفتيه في صرامة، ونفخ أوداجه، وشمخ بأنفه، وهي التي كان يفضلها دوما ويقول:

ـ هي أفضل صورة تعبر عني.

جرى إلى غرفته، وأغلق بابها، وهو يغمغم، هاربا ممن رآه ينظر إليه في استهانة، متكئا على طيات من الدقيق والسكر والفواكه والمربات الممتزجة، تصنع هضبة صغيرة من الحلوى.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع، الوجه الخامس

الوجه السادس، الوجه السابع، الوجه الثامن، الوجه التاسع ، الوجه العاشر

الوجه الحادي عشر، الوجه الثاني عشر، الوجه الثالث عشر، الوجه الرابع عشر

الوجه الخامس عشر، الوجه السادس عشر، الوجه السابع عشر، الوجه الثامن عشر

الوجه التاسع عشر، الوجه العشرون، الوجه الحادي والعشرون، الوجه الثاني والعشرون

الوجه الثالث والعشرون، الوجه الرابع والعشرون،الوجه الخامس والعشرون

الوجه السادس والعشرونالوجه السابع والعشرون، الوجه الثامن والعشرون

الوجه التاسع والعشرون، الوجه الثلاثون، الوجه الحادي والثلاثون، الوجه الثاني والثلاثون

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د. عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري