كان من السهل جدًا أن تصبح أخطاؤنا هي أسماؤنا

يكفي أن يراك الناس مرة واحدة في أسوأ حالاتك حتى يبدأ بعضهم في اختصارك فيها. من أخطأ يصبح عندهم “المخطئ”، الذي زلّ مرة يُستدعى ذنبه كلما ذكر اسمه.
قد يظل الإنسان سنوات يحاول أن يشرح أنه تغيّر، في حين يصرّ من حوله على التعامل معه وفق نسخة قديمة منه. نسخة ربما انتهت منذ زمن لكنهم ما زالوا يحتفظون بها في ذاكرتهم.
لكن الله لا يعاملك هكذا، مفتتح سورة غافر واسمها يبين لك من الكلمات التي عرّف الله نفسه لعباده بها أنه يعاملك بطريقة أخرى: ﴿حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)﴾.
لقد عرف نفسه ابتداء بـ”الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ”، ثم “غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ”، كأن السورة تضع أمامك منذ البداية جلال وعزة وقوة غلبة ممن لا يخفى عليه شيء ووسع علمه كل شيء.
ثم تفتح لك باب الرجوع إليه مع وعد ضمني بالمغفرة ممن يعلم ذنبك كله ومع ذلك يفتح لك طريق التوبة: غافر الذنب، ثمة ذنب وقع وانتهى، وهناك عبد حمل هذا الذنب، لكنه لم يرض أن يبقى حيث أوقعه ذنبه.
لذلك جاءت “قابل التوب” لتفتح المعنى أكثر، فالمسألة لا تقف عند ذنب مضى، وإنما تمتد إلى إنسان تغيّر موقفه من ذنبه، أذنب ثم رجع، أخطأ ثم ندم، ابتعد ثم عرف الطريق من جديد.
ولاحظ أن “غافر الذنب” أتت أولًا في هذا السياق قبل أن يسمع متدبرها “شديد العقاب”، الباب للتوبة مفتوح والمغفرة سانحة، لكن هناك من أصرّ واستكبر ولم يتب.
هنا يظهر الفرق بين من يتعامل مع رحمة الله باعتبارها فرصة للنجاة، ومن يتخذها ذريعة للبقاء في المكان نفسه.
الأول كلما عرف سعة المغفرة ازداد حياءً من ربه ورغبة إليه، والثاني كلما سمع عن المغفرة ازداد جرأة على المعصية.
الأول تقوده “قابل التوب” إلى الباب، والثاني ينسى أن ربه الذي يبارزه بالمعاصي “شديد العقاب”.
لهذا جاء الوصفان معًا، فالرجاء الذي ينفصل عن الخوف قد يتحول إلى أمن كاذب، والخوف الذي ينفصل عن الرجاء قد يغلق على صاحبه الطريق قبل أن يبدأه.
القرآن يخاطب طبيعة القلب البشري، ربنا جل وعلا يعلم أن القلب البشري قد يتعلق بجانب واحد حتى ينسى الآخر؛ يرى الرحمة وحدها فيتمادى، أو يرى العقوبة وحدها فيقنط، أما هذه الآية فتضع أمامه الطريق كاملًا.
“غَافِرِ الذَّنبِ”، ثم “وَقَابِلِ التَّوْبِ”، ثم “شَدِيدِ الْعِقَابِ”، ثم تأتي تلك اللفتة التي تكاد تكون نسمة بعد وقع الخوف: “ذِي الطَّوْلِ”، صاحب الفضل والسعة والغنى والإحسان.
كأن القلب الذي ارتجف عند “شديد العقاب” يجد أمامه من جديد فسحة يرجو فيها فضل الله فلا يخرج من الآية آمنًا من العقوبة، ولا يخرج منها يائسًا من الرحمة.
كما ترى، مفتتح سورة يضع أمام قلبك الصورة كاملة حتى لا يختل ميزانك، القرآن يضعك بين جناحي الخوف والرجاء دومًا ويتجلى ذلك بوضوح في افتتاحية “غافر”، عندما تتدبرها سترجو لأن ربك “غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ”، وستخاف لأن ربك “شَدِيدِ الْعِقَابِ”، ثم تطمئن لأنك تتعامل مع “ذِي الطَّوْلِ”، صاحب الفضل الواسع والإحسان.
ثم تأتي الجملة التي تختصر كل هذا المشهد في أصل واحد: “لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ”، هو وحده الذي ترجى مغفرته، وهو وحده الذي تطلب توبته، وهو وحده صاحب الفضل، وهو وحده الذي له الحكم والعقاب.
بعد ذلك تنتهي الرحلة إلى الكلمة التي لا يستطيع إنسان أن يهرب منها مهما طال به الطريق: “إِلَيْهِ الْمَصِيرُ”، إليه يعود الجميع.
وتلك حقيقة تجعل التوبة أكثر من محاولة لمحو شعور ثقيل بالذنب، هي تصحيح للاتجاه قبل أن يبلغ الإنسان آخر الطريق. قد يمضي المرء سنوات وهو يحاول أن يهرب من تلك النسخة القديمة من نفسه، يغير مكانه، رفاقه، عاداته، وربما ينجح في إخفاء آثار كثيرة مما كان عليه. لكن ثمة طريقًا واحدًا لا يمكن تغيير وجهته، طريق ينتهي إليه.
حين تقرأ “غافر الذنب وقابل التوب” تشعر أن الماضي مهما كان ثقيلًا لا ينبغي أن يكون آخر ما يقال عنك، وما زال في يدك أن تختار كيف تصل.
مقالات ذات صلة:
إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا
توبة إبليس وفلسفة الصفر والكربون
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا