إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا

في قصيدة بعنوان “الطين” للشاعر المهجري إيليا أبي ماضي، أورد لكم بعض أبياتها مع التعليق عليها:
نسي الطين ساعةً أنّه طينٌ حقيرٌ فصال تيهًا وعربد
وكسى الخزّ جسمه فتباهى وحوى المال كيسه فتمرّد
يا أخي لا تمل بوجهك عنّي ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أنت لم تصنع الحرير الّذي تلبس ولا اللؤلؤ الّذي تتقلّد
ولقلبي كما لقلبك أحلامٌ حسانٌ فإنّه غير جلمد
أأمانيّ كلّها من ترابٍ وأمانيك كلّها من عسجد
وأمانيّ كلّها للتلاشي وأمانيك للخلود المؤكّد
المفارقة العجيبة في الوجود الإنساني أن الكائن الذي خُلق من طين لازب، ثم جُعل نسله من نطفة من ماء مهين، هو ذاته الذي رفعه الله إلى مقام التكريم والاستخلاف (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ / إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).
هنا يكمن السر الذي يغيب عن كثير من الناس، فالتكريم الإلهي لم يكن إلغاءً لأصل الإنسان، بل كان تذكيرًا دائمًا له بأن علوّ المنزلة لا يغيّر حقيقة النشأة. فالإنسان كلما ازداد علمًا أو مالًا أو جاهًا أو سلطانًا، احتاج إلى استحضار بدايته الأولى أكثر من حاجته إلى استعراض منجزاته اللاحقة.
لذلك جاءت هذه الأبيات لتوقظ الغافل من سكر الامتيازات العابرة، فالثوب الفاخر لا يبدّل جوهر صاحبه، والمال لا يعيد تشكيل طبيعته، والمنصب لا يضيف إلى إنسانيته شيئًا.
إنما قيمة الإنسان الحقيقية فيما يحمله من أخلاق وما يقدمه من نفع وما يملكه من قدرة على الانتصار على نزعة الاستعلاء الكامنة في نفسه.
ومن منظور تربوي عميق، فإن التواضع ليس خلقًا اجتماعيًا فحسب، بل صورة من صور الوعي بالذات. فالإنسان المتواضع لا يحتقر نفسه، وإنما يعرف حجمها الحقيقي بين مبدأ الخلق ونهاية المصير (أوله نطفة، وآخره جيفة).
إنه يدرك أن الأحلام التي تسكن قلب الفقير والغني، والضعيف والقوي، تنبع من جوهر إنساني واحد، وأن الفوارق التي يتعالى بها الناس ليست إلا طوارئ مؤقتة على حقيقة مشتركة.
لهذا كان الكبر نوعًا من النسيان قبل أن يكون عيبًا أخلاقيًا، نسيانًا للطين الأول، وللنطفة الأولى، وللحقيقة التي سيعود إليها الجميع تحت التراب. وكلما ازداد الإنسان استحضارًا لهذه الحقيقة، ازداد رحمة بالناس، ولينًا معهم، وإنصافًا لهم.
فالتكريم القرآني لا يصنع متكبرًا يرى نفسه فوق الآخرين، بل يصنع إنسانًا يعرف قدر نفسه، ويعرف قدر غيره، فيمشي في الأرض بكرامة لا تعرف المهانة، وبتواضع الذي لا يعرف الاستعلاء.
مقالات ذات صلة:
الإنسان وما سعى .. (قصة الكِبر)
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا