من صنع لنا هذا الجيل المريض؟!

قيمة الإنسان طوال تاريخ البشر تقاس بما يقدمه لمن حوله، وليس بما يأخذه ويحتاجه من الآخرين.
الإنسان الطبيعي يمر بأربعة مراحل في التطور النفسي والعقلي:
- مرحلة الطفولة والعيال: أن يكون عالة على الآخرين، يطلب الطعام والرعاية والإنفاق من أهله ومن يرعاه.
- مرحلة الشباب: أن يستطيع رعاية نفسه ويتحمل مسؤولية حياته واحتياجاته.
- مرحلة النضج: أن يرعى الآخرين من حوله، يرعى أسرة، ترعى أطفال، يرعى أسرته الصغيرة أو الكبيرة وفق قدراته.
- المرحلة العليا: التي لا يصل إليها الناس كلهم، يصل إليها بعضهم فقط، وهي مرحلة الاهتمام بشؤون أكبر من دائرته الصغيرة، الاهتمام بإصلاح شعب أو بلد، نشر الوعي والفكر وسط أشخاص لا يعرفهم فقط لأنه مؤمن بقضية كبيرة أكبر منه ومن الاحتياجات الشخصية الضيقة: خدمة دين، نصرة حق وعدل، السعى وراء قضية كبيرة أو هدف سامٍ أكبر من محض شخص يأكل ويشرب ويتزاوج وينام ويرعى أسرة.
لكن في أجيال الشباب والفتيات اليوم تنتشر ظاهرة عجيبة من النرجسية والحماقة؛ وهم أنك رائع وتستحق كثيرًا، فقط لأنك موجود! تستحق أكثر مما تقدم للآخرين من فائدة وقيمة، ترى نفسك أعلى بكثير من قيمتك الحقيقية.
وهم النرجسية الذي يجعل بعضهم يتخيل أن وجوده في حد ذاته خدمة يقدمها للبشرية والناس من حوله! حتى لو كان فاقدًا لأي قيمة يقدمها للآخرين ولمن حوله!
ترى شابًا عاطلًا فارغ العقل بلا علم ولا ثقافة ولا حتى دين، يتخيل أنه رائع ويستحق كثيرًا، وأنه كنز لكن يا خسارة! العالم من حوله لا يعرف قيمته، لأنه يتعاطى بعض المواد لنفخ العضلات، ويحرص على التصوير بزاويا معينة وإضاءة محددة كي يتخيل أن هذه صورته الحقيقية.
ترى فتاة فاشلة في حياتها الشخصية والتعليمية والأسرية تتخيل أنها كنز بشري، وأجمل فتيات العالم، وتستحق أكثر رجال العالم وسامة، لأنها تتابع بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وتضع صورتها اليومية عليها بعد استعمال الفلاتر ومساحيق التجميل وزوايا التصوير لإخفاء العيوب والتشوهات.
من صنع لنا هذا الجيل المريض نفسيًا، الذي يكمل حياته في تعاسة ووحدة قاسية واكتئاب رغم الصور الاستعراضية واصطناع السعادة أمام الآخرين؟
كانا أمرين، ثم ظهر عامل ثالث!
ما العوامل الثلاثة التي تدمر هذه الأجيال المسكينة وتحولها إلى ضحايا ونفسيات دُمِّرت اجتماعيًا ونفسيًا وأسريًا؟
أولًا: ظهور بعض النصائح في التسعينيات للآباء والأمهات بتربية الأبناء على المدح والمبالغة في الكلام، (بتاع: إنت رائع، ما فيش زيك، إلخ)، دون نقد ولا عقاب، تحت شعار رفع معنويات الأطفال والثقة بالنفس!
فتكونت أجيال من النرجسيين المغروريين أنانيين، الذين يعيشون في وهم أنهم رائعين وبلا عيوب، وأن على العالم أن يتقبلهم كما هم بعيوبهم الكارثية، فقط لأنهم موجودون، وأن يشكرهم الناس على وجودهم، حتى لو كان وجودهم لا يضيف أي قيمة للحياة.
يعتقدون أن وظيفتهم في الحياة أن يكونوا عيالًا يرعاهم الآخرون، يرعاها بابا، بعد كده زوج، دون أي مسؤوليات أو واجبات أو تقديم رعاية لأسرة أو أولاد أو زوج.
ثانيًا: مواقع التواصل الاجتماعي في بداية الألفية، التي تنشر هذا الشعور الوهمي بالأهمية والغرور دون أي مقومات، فقط لأنك وضعت صورة جميلة، أو عدد من يعمل لها “لايك”.
فضلًا عن من يسمون أنفسهم مؤثرين (إنفلونسرز) الذين ينشرون الأفكار المغرورة نفسها، وأنك مهم جدًا، و يكفي فقط وجودك كي تحظى برعاية الآخرين، لأنك رائع الجمال ولطيف أوي خالص! حتى لو كنت بلا قيمة مضافة، لا تقدم خدمة للأسرة ولا المجتمع ولا الأمة.
مع الاستعراض المستمر على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر الشعور بالحسد والغيرة، معه شعور بالرغبة في التمثيل!
اعتقاد أن الحياة تمثيلية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي: “شوفوا بيتي، شوفوا فستاني، شوفوا المكان اللي أنا بتفسح فيه”، تمثيلية مستمرة مصطنعة، مع فراغ روحي وعقلي وحقد وطمع لا يشبع!
اليوم في 2026، يحذر علماء النفس من ظهور عامل ثالث يقوى التوجه نحو الغرور المبالغ فيه، وتقييم قيمة النفس على نحو مبالغ فيه والنرجسية لدرجة جنون العظمة والفصام! هو الذكاء الاصطناعي (AI psychosis).
يحذر العلماء من سؤال أو استشارة الذكاء الاصطناعي في أي أمور شخصية، لأن شركات الذكاء الاصطناعي تقوم بتصميم الذكاء الاصطناعي على تملق المستخدمين ومدح بطريقة مبالغ فيها، علشان عايزين زبائن أكثر، والزبون ينبسط لما تمدحه وتنافقه!
من ثم يقدم الذكاء الاصطناعي نصائح دائمًا على أساس أنك على حق وصحيح ورائع وحلو وممتاز وجميل! يعني تمامًا مثل الحاكم الذي لا يجد معارضة أو مناقشة من المستشارين، فيصاب بجنون العظمة!
اليوم يصنع الذكاء الاصطناعي أجيالًا من مجانين العظمة، كل واحد منهم في عالمه الخاص أمام شاشات تشات جي بي تي وجيميناي وغيرهم من أدوات الذكاء الاصطناعي.
يسأله: “لقد كتب لي صديقي هذه الرسالة التي ضايقتني، ماذا أفعل؟”، فيرد على أنك دائمًا على حق وصديقك على باطل.
تسأله: “زوجي فعل كذا، وهذا أغضبني”، فيرد الذكاء الاصطناعي بنصيحة أن تهدمي أسرتك وتشردي أولادك!
للأسف الفتيات أكثر عرضة للدمار النفسي بسبب الذكاء الاصطناعي ومواقع التواصل الاجتماعي وأعلى حساسية وهشاشة من الشباب.
الخلاصة:
قيمة الإنسان بما حققه من إنجازات في حياته وما يقدمه من خدمات وفائدة للأسرة والمجتمع ومن يعيشون معه، وليس بصورته ولا بخفة دمه ولا جمال تسريحه شعره وملابسه!
اليوم نرى أجيالًا تدمرت بوهم النرجسية وأوهام أنهم رائعين ويستحقون أكثر من قيمتهم الحقيقية، بسبب أساليب التربية التي لا تحتوي النقد وكلها تدليل ومدح، وبسبب مواقع التواصل الاجتماعي، وظهر سبب جديد لتدمير عقول البشر، وهو الإصابة بجنون .العظمة بسبب نفاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي
مقالات ذات صلة:
الشخصية النرجسية وتحديات القيادة الفعالة
الثقافة الخوارزمية ومواقع التواصل الاجتماعي!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا