عالم ما بعد الحقيقة – الجزء الأول

إذا بدأت مقالي بقولي: «الجملة الأولى في هذا المقال كاذبة»، فهل هذه الجملة صادقة أم كاذبة؟ إن كانت صادقة فهي إذن كاذبة، وإن كانت كاذبة فهي إذن صادقة، لأنها في الحالتين تنطوي على اعترافٍ بالكذب!
وإذا قال أحدهم: «أنا كاذب»، فهل هو صادق أم كاذب؟ إن كان صادقًا فهو إذن كاذب، وإن كان كاذبًا فهو إذن صادق! ما سبق يُعرف في الفلسفة والمنطق باسم «مفارقة الكذَّاب» Liar Paradox، فلئن كان الكذَّاب يكذب بالفعل فهو يقول الحقيقة، ولئن كان يقول الحقيقة فهو يُقر على نفسه بالكذب.
الحقيقة والسياسة
والحق أن الأكاذيب وإن كانت ممقوتة أخلاقيًا ومُحرَّمة دينيًا عبر تاريخ البشر، إلا أنها باتت جزءًا لا يتجزأ من الحمض النووي لمجتمعنا الحديث والمعاصر، وإن كنا نشير إليها غالبًا بمصطلحات أكثر تهذبًا وكرامة، كالتسويق، والإعلان، والدعاية، وغير ذلك من مفاهيم نخدع بها أنفسنا لتبرير الكذب، من الباعة والتجار والمهنيين معدومي الضمير، إلى المسؤولين الذين يُدلون يوميًا بتصريحات لا أساس لها من الصحة.
ولا نُغالي إن قلنا أن أغلب الناس يكسبون قوت يومهم بممارسة الكذب، كما أن الصورة العامة للسياسيين في المُخيلة العامة أنهم كذَّابون محترفون بامتياز، أو كما قال «جورج أورويل» George Orwell ذات مرة: «اللغة السياسية مُصممة بحيث تكون الأكاذيب صادقة والقتل مُحترمًا، ولكي تُضفي على الريح النقية مظهر الصلابة»!
في مقالها المنشور بمجلة «نيويوركر» New Yorker سنة 1967 تحت عنوان: «الحقيقة والسياسة» Truth and Politics، أكدت الفيلسوفة ذات الأصل الألماني «حنة أرندت» Hannah Arendt أن ثمة علاقة تنافر بين الصدق والسياسة، وأن الأكاذيب كانت وما زالت بمثابة أدوات ضرورية ومشروعة،
ليس لحرفة السياسي الداهية فقط، بل ولحرفة القائد السياسي المحترم أيضًا، لكن «أرندت» كانت تُدرك أنه ليست كل الأكاذيب متشابهة؛ بعضها تُمثل أشكالا بسيطة للخداع، مجرد تمزق صغير في نسيج الواقع، في حين أن بعض الأكاذيب كبيرة لدرجة أنها تستلزم إعادة بناء وترتيب للنسيج الواقعي بأكمله.
ما بعد الحقيقة
على أن الأكثر خطورة من الكذب هو تمييع الحقيقة، فالكاذب يعرف الحقيقة، لكنه يُحاول إقناعنا برواية بديلة مناقضة، أما من يُميّع الحقيقة فيعمد إلى جعلها بمثابة فقاعة لزجة يصعب الإمساك بها، وهو ما وُصف مؤخرًا في الأدبيات السياسية بمصطلح «ما بعد الحقيقة» Post-Truth.
والمثال الأشهر على «الكذب» في مقابل «ما بعد الحقيقة» هو تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق «بيل كلينتون» بشأن اتهامه بالتحرش الجنسي بالسيدة «مونيكا لوينسكي» Monica Lewinsky في مقابل تصريحات الرئيس الأمريكي السابق «دونالد ترامب» بشأن انتقادات وسائل الإعلام لأداء إدارته، ففي مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض بتاريخ 26 يناير 1998 أدلى «كلينتون» بتصريحه المشهور: «أريد أن أقول شيئًا واحدًا للشعب الأمريكي.. لم يكن لدي أية علاقات جنسية مع تلك المرأة»!
ربما كان «كلينتون» على قناعة بأن تفاعلاته الحميمية مع «مونيكا» لا تُمثل علاقة جنسية، لكن الشواهد كانت تؤكد أنه يكذب، وهو ما أدى إلى اتهامه بالحنث باليمين وعرقلة العدالة، ليتم سحب الثقة عنه سنة 1998 من قبل الكونجرس، ثم تبرئته فيما بعد من قبل مجلس الشيوخ.
أما علاقة «ترامب» بالحقيقة فقد كانت أشد خطورة وأكثر إثارة للقلق، حيث اتهم كافة وسائل الإعلام الأمريكية، بما في ذلك «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«سي إن إن» بترويج أخبار مغلوطة عن سياساته وإدارته.
وعلى العكس من «كلينتون»، لم يُنكر «ترامب» بعض الحقائق فحسب، بل عمل على تقويض البنية التحتية النظرية التي تجعل من الممكن إجراء حوار حول الحقيقة، في الوقت الذي صمَّم فيه محاميه «رودي جولياني» Rudy Giuliani في حديثه لشبكة «إن بي سي نيوز» على أن «الحقيقة نسبية»، وهو ما عدَّه المراقبون بمثابة مثال نموذجي لما بعد الحقيقة!
الفارق بين الكذب وما بعد الحقيقة
هذا هو الفارق الرئيس بين مفهوم «الكذب» ومفهوم «ما بعد الحقيقة»، فالكذب يُفسد حقيقة بعينها، أما «ما بعد الحقيقة» فيُقوض الحقيقة ذاتها، ورغم كون الأخير مفهومًا غامضًا، إلا أنه أكثر انحرافًا وأشد خطورة على النسيج الديموقراطي لمجتمعاتنا، فالبادئة «ما بعد» Post، تعني أن فكرة معينة قد أصبحت زائدة عن الحاجة، وبالتالي يمكن تجاهلها. وبعبارة أخرى، يشير المفهوم إلى أن الحقيقة لم تعد ضرورية، وأنها في عالم السياسة قد عفا عليها الزمن!
اقرأ أيضاً:
القول بأن الحقيقة نسبية اعتقاد باطل وشر
إن أردت كذبًا، فالساحة مملوءة يا صديقي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.