أسرة وطفل - مقالاتمقالات

معلم يبني وطنًا وآخر قد يهدم طفلًا دون أن يشعر

كم طفل دخل المدرسة محبًا للتعلم ثم خرج منها كارهًا للكتاب بسبب السخرية أو التوبيخ أو المقارنة الجارحة! وكم تلميذ كان يمتلك موهبة عظيمة، لكن أحدهم قال له يومًا: “أنت فاشل”، فصدقها وعاش عمره كله أسيرًا لها! إن أخطر ما قد يحدث داخل المدرسة ليس ضعف التحصيل الدراسي، بل تحطيم الإنسان نفسيًا وهو لا يزال في بداية تكوينه.

فالطفل الذي يعاني مشكلات نفسية لا يحتاج دائمًا إلى العقاب، بل ربما يحتاج إلى من يفهمه. كما أن التلميذ كثير الحركة قد لا يكون “مشاغبًا” كما يظن بعضهم، بل ربما يعاني فرط حركة وتشتت انتباه. والطالبة الصامتة التي لا تشارك في الفصل قد لا تكون متكبرة أو غير مهتمة، بل ربما تخوض حربًا نفسية صامتة داخل بيتها أو داخل نفسها. وهنا يظهر الفرق بين المعلم الذي يكتفي بإدارة الحصة، والمعلم الذي يصنع حياة.

وفي مدارسنا قصص كثيرة لا تكتب في سجلات الدرجات. فهناك طالب كان يتعرض للسخرية من زملائه بسبب ضعف مستواه، حتى بدأ يهرب من المدرسة يوميًا، وعندما اقترب منه أحد المعلمين واكتشف أن الطفل يعاني تفككًا أسريًا، تغير أسلوب التعامل معه تمامًا، فتحسن مستواه الدراسي تدريجيًا وعاد إليه اتزانه النفسي. وفي المقابل، هناك طلاب فقدوا ثقتهم بأنفسهم لأن معلمًا كان يقارنهم دائمًا بالمتفوقين أمام الجميع، كأن الفروق الفردية جريمة تربوية وليست سنة من سنن الحياة.

إن المعلم الحقيقي لا يعلّم المنهج فقط، بل يعلّم الأمان النفسي. فالكلمة داخل الفصل ليست محض صوت عابر لكنها قد تتحول إلى ذاكرة دائمة. فالطالب قد ينسى شرح درس كامل، لكنه لا ينسى أبدًا معلمًا احترمه، أو آخر أحرجه أمام زملائه. لذلك فإن التربية ليست عملية تلقين، بل عملية بناء إنسان، وأي تصدع نفسي يحدث في هذه المرحلة قد يرافق الفرد سنوات طويلة.

وعليه فإن الأمم العظيمة لم تبن فقط بالمباني الحديثة أو المناهج المتطورة، بل بوجود معلمين يدركون أن الطفل روح قبل أن يكون طالبًا، وأن الاحتواء قد يصنع معجزة تربوية تفوق أثر ألف اختبار. فالمعلم حين يزرع الثقة في نفس تلميذه، فإنه لا يرفع درجاته فقط، بل يرفع احتمالات نجاحه في الحياة كلها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

إهداء إلى كل معلم ومعلمة يحملون الرحمة في قلوبهم قبل الطباشير أو القلم، أنتم لا تشرحون دروسًا فحسب، بل تبنون أمجاد أمم، وتصنعون أجيالًا قد تنقذ المستقبل أو تنكسر بسببه. وبين أيديكم فرق هائل بين طفل يعود إلى بيته سعيدًا لأنه شعر بقيمته، وآخر يعود محطمًا لأنه شعر أنه لا شيء. والحقيقة المؤلمة أن بعض الجروح النفسية تبدأ من مقعد دراسي، لكن الحقيقة الأجمل أيضًا أن بعض أعظم النجاحات تبدأ من كلمة دعم قالها معلم في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة:

مهنة التعليم في بلادنا العربية

المعلم البداية

حين تصنع التربية إنسان الرسالة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

ا.د. هشام الخولي

أستاذ القياس والتقويم النفس التربوي كلية التربية – جامعة السويس رئيس قسم علم النفس التربوي