حين تصنع التربية إنسان الرسالة

ليست أزمة الإنسان في هذا العصر أنه يفتقر إلى الوسائل، بل في أنه لم يعد يعرف على وجه اليقين من هو الإنسان الذي ينبغي أن يكون. فقد نجحت الحضارة الحديثة في مضاعفة قدرات الإنسان التقنية إلى حدٍّ مذهل، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في ترقية إنسانيته وضبط طاقته وتوجيهها نحو المعنى والغاية.
هنا تنشأ المفارقة الكبرى في التاريخ الإنساني: كلما تعاظمت القوة بين يدي الإنسان، ازداد السؤال إلحاحًا بخصوص نوع الإنسان الذي يمسك بهذه القوة. فالحضارات لا تسقط حين تنفد مواردها، بل حين يختل الإنسان الذي يدير تلك الموارد.
من هنا تصبح قضية بناء الإنسان أكثر من محض شأن تربوي أو تعليمي، إنها السؤال المركزي الذي يتوقف عليه مستقبل المجتمعات كلها. فقبل أن نبني المؤسسات، ينبغي أن نبني الإنسان القادر على حملها، وقبل أن نطوّر النظم، ينبغي أن نهذّب النفس التي ستدير تلك النظم. ذلك هو المعنى العميق الذي انطلق منه المنهج القرآني حين جعل إصلاح الإنسان أصل كل إصلاح، وجعل التربية رحلة انتقال من إنسان تحركه الغريزة إلى إنسان تقوده الرسالة. وفي هذا الأفق يتشكل السؤال الذي يحاول هذا المقال أن يقترب من جوابه: كيف تصنع التربية إنسان الرسالة؟
يضع الدكتور عبد الكريم بكّار الأساس العقدي لهذا التصور حين يقول: “الإنسان في الرؤية الإسلامية مركز الكون، والسواد الأعظم من نصوص الكتاب والسنة يدور بخصوص مسائل النهوض بالإنسان وترقية حاله، وتهيئة الأجواء والبيئات التي تساعده على ذلك” (4). وهذا التصريح ينقلنا من التربية بوصفها تقنية إلى التربية بوصفها رسالة كونية. فالإسلام لا يبني مؤسسات قبل أن يبني إنسانًا، ولا يقيم نظمًا قبل أن يصلح النفوس. وكل إصلاحٍ لا يبدأ بالإنسان ينتهي إلى هشاشةٍ أخلاقية وسياسية.
اقرأ أيضا: اهتمامٌ ببناءِ البنيانِ وإهمالُ بناء الإنسانِ
ويؤكد بكّار هذه الأولوية في موضع آخر بقوله: “المنهج الرباني الأقوم يستهدف الإنسان على نحو أساسي، فإذا صلح أمكنه أن يصلح كل ما حوله، وإذا فسد أفسد كل ما حوله” (5). وهنا تتجلى قاعدة قرآنية عميقة: إصلاح الخارج مرهون بإصلاح الداخل. لهذا فإن أي مشروع نهضوي يتجاهل تهذيب النفس ينتج قوة بلا أخلاق، وعلمًا بلا حكمة، وتنمية بلا عدالة.
ينقل الدكتور ماجد عرسان الكيلاني قراءةً تربوية لآية قرآنية محورية، وهي قول الله تعالى: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)” (الأنعام). لم يقل: يمشي به في الأرض، لأن الإنسان يمشي في الأرض بعينيه اللتين في رأسه، لكنه يمشي في الناس بقدراته العقلية الناضجة وإرادته النبيلة العازمة” (6). هنا يظهر أن بناء الإنسان ليس محض تهذيب أخلاقي، بل صناعة عقلٍ رشيد وإرادةٍ حرّة. فالنور القرآني ليس إنارة ذهنية فقط، بل بوصلة أخلاقية واجتماعية.
ويقدّم الدكتور السيد عمر صورة تاريخية كاشفة لمسار الحضارة، وكيف تنهض وتسقط: “فالتاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائمًا بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية، الذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة، بوصفه ممثلًا وشاهدًا. وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل، بالجزيء المحروم من قوة الجاذبية، بالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل، لم يعد يقدم لوجوده أساسًا روحيًا، أو أساسًا ماديًا” (7). هذه الصورة ترسم لنا مفارقة كبرى: التقدم التقني لا يمنع الانحطاط الإنساني. ومن ثمّ فإن مهمة التربية ليست مواكبة العصر، بل إنقاذ الإنسان من ذوبانه في عصره.
اقرأ أيضًا: التربية مهمة تحتاج إلى انتظار
إن التأمل العميق الذي بين أيدينا لا يقدّم نظرية جزئية في التربية، بل رؤية حضارية لبناء الإنسان: إنسانٌ صاحب هدف ومعنى. إنسانٌ قادر على ضبط طبعه لا إنكار طبيعته. إنسانٌ متعلّم ومتربٍ معًا. إنسانٌ يمشي بنورٍ بين الناس لا بعينين في الأرض فقط. وهكذا يصبح بناء الإنسان ليس فصلًا في كتاب، بل شرطًا لقيام أي مشروع نهضوي حقيقي.
ومن هنا فإن المشروع التربوي الحقيقي يبدأ من الداخل، من إعادة ترتيب العلاقة بين الطبع والوعي، والغريزة والقيمة، والمعرفة والمسؤولية. فالتعليم يفتح أبواب العقل، لكن التربية وحدها تفتح أبواب الضمير. والعلم يمنح الإنسان القدرة، أما التزكية فتعلمه كيف يستخدم تلك القدرة في خدمة الحق والخير. لذلك لم يكن المنهج القرآني مشروع معلومات، بل مشروع تحويل الإنسان من كائن تحكمه الدوافع إلى كائن يقوده المعنى.
وحين ينجح هذا التحويل تتغير معادلة الحضارة كلها، إذ يظهر الإنسان الذي يحمل في داخله بوصلة أخلاقية تجعله قادرًا على مقاومة ضغط الجماعة، وإغراء القوة، وتقلبات الظروف. ذلك الإنسان الذي لا يتصرف وفق ما تمليه اللحظة، بل وفق ما تمليه القيم التي استقرت في أعماقه. عندئذ فقط يصبح العلم قوة بناءة، والحرية مسؤولية راشدة، والتقدم العمراني امتدادًا لارتقاء إنساني.
تعرف على: دور البيئة في عملية التربية وصناعة الإنسان
إن بناء الإنسان –في جوهره –هو بناء ذلك التوازن الدقيق بين الفطرة والرسالة، بين الطاقة التي تدفعه إلى الحركة، والنور الذي يهديه إلى الاتجاه. وحين يتحقق هذا التوازن يولد الإنسان القادر على أن يكون فاعلًا في التاريخ لا محض منجرف في تياره، شاهدًا على الحق لا تابعًا للهوى، وحاملًا لرسالة العمران لا أسيرًا لفوضى الطبع.
وهكذا يتبين أن كل نهضة تبدأ من الإنسان، وكل أزمة تعود إليه، وأن الطريق إلى إصلاح العالم لا يمر أولًا عبر تغيير الأنظمة بقدر ما يمر عبر إعادة بناء الإنسان نفسه، ذلك الإنسان الذي يمشي في الأرض بقدميه، لكنه يمشي بين الناس بنورٍ في قلبه، وبوصلةٍ في ضميره، ورسالةٍ في وعيه.
في ختام هذا المسار الفكري يتضح أن قضية بناء الإنسان ليست مسألة تعليمية جزئية، ولا برنامجًا إصلاحيًا محدود الأثر، بل هي السؤال الجوهري الذي تتوقف عليه مصائر الحضارات كلها. فالمجتمعات قد تمتلك الموارد والقوة والتنظيم، لكنها تظل هشة إذا لم تحسن بناء الإنسان القادر على توجيه هذه القوة في أفق المعنى والغاية. إن التاريخ يعلمنا أن أعظم الانهيارات لم تكن نتيجة نقص في الوسائل، بل نتيجة خلل في الإنسان الذي يمسك بتلك الوسائل.
المراجع:
- عبد الكريم بكار، مدخل إلى التنمية المتكاملة: رؤية إسلامية، دار القلم، دمشق، ط2، 2001م، ص 5، 6.
- عبد الكريم بكار، اكتشاف الذات: دليل التميز الشخصي، دار الإعلام، عمان، ط1، 2001م، ص 6.
- ماجد عرسان الكيلاني، التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند العربي المعاصر (بحث في الأصول السياسية للتربية والتعليم في الأقطار العربية(، دار القلم، دبي، الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2005م، ص 114.
- السيد عمر، خارطة المفاهيم القرآنية، دار الفكر، دمشق، 2009م، ص 32، 33.
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا