أسرة وطفل - مقالاتمقالات

ماذا جرى للأسرة .. الجزء الثاني

الغربة في البيت

تحدثنا في المقال السابق عن ثورة المعلومات، وكيف أثّرت على التواصل الإنساني داخل الأسرة الواحدة، وأشرنا إلى استعراض وتباهي البعض على مواقع التواصل، وما يسببه ذلك من أضرار نفسية للآخرين متعلقة بالمقارنة التي يقع الناس ضحيتها، وتشعرهم بسوء الحظ وتجعلهم ينقمون على حياتهم وعلى أسرتهم وعلى الوالدين.

إضافة إلى توسع دائرة الطموح القاتل عند الأبناء مع ضعف الإمكانيات المتاحة لتحقيقه، مما يسبب لهم التعاسة والانعكاس السلبي لذلك على كل أفراد الأسرة، فيزيد من مشاكلها الاجتماعية والنفسية، ومنها مشكلة الأب الذي بدأ يفقد هيبته داخل البيت رغم كل تضحياته، وذلك لأنه لم يعد قادرًا على تحقيق كل هذه الطموحات في زمن ارتفعت فيه كل الأسعار أضعافًا مضاعفة.

اليوم نكمل الكلام، ونتساءل أولًا: هل للأبناء بعض العذر في خطيئة الإساءة للأب وعصيانه، بدعوى الضغوط النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها الابن؟

قسوة قلوب الأبناء

اتصل بي منذ فترة أحد أصدقاء طفولتي –وقد اعتدنا أن نتصل ببعضنا بين الحين والآخر– وحين سألته عبر الهاتف عن أحواله قال لي: “أشعر بالغربة يا صديقي، إن أقسى الغربة يا صديقي هو ما تشعر به في بيتك!”، ثم بكى.

حكى لي عن قسوة أبنائه، وكيف أن ابنه لم يعد يطيعه وأنه يعانده ويرد له الكلمة كلمتين والصاع صاعين، وأنه –أي الأب– لا يريد له إلا الخير، وكل ما هنالك أنه ينصحه خوفًا على حياته ومستقبله، لكن الابن لا يتحمل النصح ويجادل بجهل في كل كبيرة وصغيرة، ولا يفهم ما يقال له متجاهلًا فرق الخبرة وفرق الحكمة، وحارمًا أباه من طاعته وبره ومن ذلك الاحترام المتوقع من الابن تجاه أبيه، وكيف أن الأم تنحاز مطلقًا إلى ابنها بدافع الأمومة، حتى خاصمه الجميع فصار غريبًا في بيته لا يجد حتى من يكلمه.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

سألته: “هل أنت عصبي معهم؟”، قال: “نعم، ولكن بسببهم هم، فأنا ما زلت رغم سني أكافح في الحياة من أجل البيت، وأنت تعلم الظروف التي تمر بها البلد، وبدلًا من أن يكونوا سندًا لي على ما أكابده خارج البيت جعلوا ما أعانيه داخله أشد مرارة مما ألقاه في الخارج.

اقرأ أيضاً: علاقة الأسرة بالبناء الفكري للطفل

فلما اشتد ساعده رماني

تمرد الأبناء على الآباءهذا الولد لو أنه كان شابًا هينًا لينًا طيعًا لأبيه، ولو كانت أمه تدرك حجم خطئه في حقي وتنصحه لتعقِّله، لما ثارت أعصابي، فأنا بشر ولي طاقة على الاحتمال”، وراح يردد قول الشاعر:

“أعلِّمه الرمايةَ كلّ يومٍ فلما اشتدّ ساعدُه رماني

وكم علّمتُه نظْمَ القوافي فلمّا قالَ قافيةً هجاني”.

فذكّرني أنا أيضًا بقول شاعر آخر:

“غَذَوْتُــكَ مَـوْلُـودًا وَعُلْتُـكَ يَافِــعًـا           تُعَلُّ بما أجْنَي عَلَيْكَ وَتَنْهَــــلُ

إذَا لَيْلَةٌ نَـابَتْكَ بِالشَّجْـوِ لَــمْ أَبِتْ           لِشَكْوَاكَ إِلاَّ سَـاهِـرًا أَتَمَـلْـمـَلُ

فَلَمَّا بلَغْتَ السِّـنَّ والغَـايَـةَ التِي           إِليْها مَـدَى ما كُنتُ فِيـكَ أُؤَمِّلُ

جَعَلْتَ جَـزَائِي غِلْـظَةً وَفَظَـاظـَةً            كَأَنَّك أَنْـتَ الْمُنْعِـمُ الْمُتَفَــضِّـلُ”.

تعرف على: الأسس السليمة لتربية صحيحة ومتزنة للأبناء

تمرد الأبناء على الآباء بدايته تأفف ونهايته الندم

أردف محدثي يقول: “لا أنسى يوم استلمته قطعة لحم على باب غرفة الولادة، وعشت أحمله كأني أحمل ثروتي وأنفاس حياتي، لم تكن الهواتف وقت ولادته ذات كاميرات، فكنت أصوره كل يوم فيلمًا كاملًا بالكاميرا القديمة، وأروح كل يوم وأغدو على معامل التصوير، أراجع صوره في الطريق بعد استلامها سعيدًا كالطفل.

عشت أحرم نفسي لألبي له ولإخوته مطالبهم بأفضل ما يكون، ليتعلموا أحسن التعليم ويلبسوا أغلى الملابس ويأكلوا أطيب الطعام، حتى أني بعت شقتي الساحلية على البحر –وكانت قرة عين لي– لكي أنفق على تعليمهم ولا أحرمهم من شيء، فيكون جزائي بعد كل هذه التضحيات هو الغلظة والفظاظة وسوء المعاملة والعصيان؟!”.

حزنت لصديق طفولتي، وتذكرت عالم النفس المشهور الذي كان كثيرًا ما يستضاف على الفضائيات ليحل مشكلات الناس، تذكرته في أواخر أيامه عندما صار شيخًا كبيرًا وكيف بكى لمقدم البرنامج على الهواء وهو يحكي كيف أن أولاده يسبونه ويوجهون إليه الإهانات، ثم تذكرت كيف تُوُفِّيَ عالم النفس بعدها بفترة قصيرة حزينًا وهو يلوك مرارة الجحود من أقرب الناس إليه، وأشفقت على صديق طفولتي من هذا المصير، بل وأشفقت على أولاده أنفسهم من شعور الندم بعد فوات الأوان.

وللحديث بقية..

مقالات ذات صلة:

المشروع التحديثي الغربي والزواج

تعلَّم التمرُّدَ الصحيحَ

ظاهرة اللا مبالاة وانتشار الأنا مالية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*********

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ . شامخ الشندويلى

الشاعر والكاتب والسيناريست المعروف