حافية

منظر لا يمكن أن أنساه أبدًا ما حييت، وكأنما ثَبُتَ في مخيلتي، وانطبع في ذاكرتي، وانسرب في دهاليز نفسي، فمذ رأيته، وأنا أبكي ليل نهار، تكاد تَقَطَّعُ نياط قلبي، وتُنْهَشُ حنايا روحي.
يا الله! ما هذا البؤس؟! وما هذا الشقاء؟! وما هذا الألم؟! وما ذلكم الوجع؟! رباه! هل انتزعت الرحمة من البشر إلى هذا الحد؟! وهل كتب العذاب على المشردين، يكتوون بلظاه وحدهم دون سواهم؟
هل تغافل الناس عن التكافل فيما بينهم، وحادوا عن التعاطف، فنسوا أو تناسوا حق الفقير، وسكتوا عن واجبهم تجاه من تاهت سبلهم، وضاعت في متاهات الحياة طرقهم؟
ثم أين قلب هؤلاء العصاة المذنبين الذين ينجبون أطفالًا، غير متحملين تبعة أفعالهم، ومسؤولية صنعهم، ثم لا يلبثون أن يلقوا بهم في عُرْضِ الشارع، وسط أتون حياة لا ترحم، وظلام دامس مدلهم، ليس فيه أثر للضياء، أو موضع للعيش والسناء؟!
مشكلة تؤرق كل ضمير حي
رباه! لا أكاد أتحمل ما رأيت، كابوس يتوعَّدني، وحش مخيف ينقضُّ عليَّ، يهشِّم أحشائي، يقضم أضلاعي، يمزقني إِرْبًا إِرْبًا، لا أكاد أفلت منه برهة حتى ينوشني مرة أخرى، بلا جدوى أتقلب ذات اليمين وذات الشمال، لا أكاد أغفو برهة حتى أستيقظ فزعًا على وخز منظرها، وطعن ما آل إليه أمرها!
لم أهنأ بمأكل أو بمشرب منذ أن شاهدتها، وقد اختصرت عشراتٍ من الأسئلة، وأوجزت مئات من الكتب، وترجمت آلافًا من النظريات، وقدمت تقريرًا مفصلًا عن فشل لا نهائي عن سفسطات الفلاسفة، ومناهج المصلحين، وحوارات التربويين، وخطب المتبتلين.
مؤكدة بلسان الحال أن كل شيء من ذلكم هراء في هراء إذا ما وضع بجوار هذا المشهد المهيب، وتلكم اللوحة المعذبة، الصامتة، الناطقة، التي تفصح عن فشل الإنسانية، وتفضح في الوقت ذاته تلكم الهوة الشاسعة بين الواقع والمثال، والأقوال والأفعال!
طفلة مشردة على قارعة الطريق
في الطريق، وفي شارع جانبي، رأيتها، وقد انتحت مكانًا قصيًا، لا تكاد تأخذ حيزًا من الفراغ، وكأنها لا تروم أن تشغل الدنيا بوجودها غير المرغوب فيه، وسط موجودات مخيفة، وعالمٍ متوحش، عالم قُدَّ من غلظة، وتسربل بالجفاء، واتشح بالقسوة، عالم لم يعد يعرف إلا المادة، ولا يعترف إلا بالقوة، ولا يتجاوب إلا مع المتحقق من البشر والفاعل من المخلوقات.
رَبَّاهُ، مَا هَذَا؟! طِفْلَةٌ حَافِيَةٌ، شِبْهُ عَارِيَةٍ، لَا تكاد تَتَجَاوَزُ السَّنَوَاتِ الْعَشْرَ، وإن تراءت آنسة في العشرين، مما رابها من فعل الدهر، وآثار السنين، رأيتها، وقَدْ حَبَسَتْ دُمُوْعَهَا فِي عَيْنَيْهَا، مُتَأَبِّيَةً، رَغْمَ نَظَرَاتِ الْمَسْكَنَةِ الَّتِي انْحَفَرَتْ فِي أَخَادِيْدِ وَجْهِهَا، وَبَيْنَ جَفْنَيْهَا، مُسْتَنِدَةً عَلَى جِدَارٍ يُرِيْدُ أَنْ يَنْقَضَّ، لا ينظر أحد إليها، ولَا يُؤْبَهُ بِوُجُوْدِهَا، وَلَا يَهْتَمُّ الْغَادِي أَوِ الرَّائِحُ لِمَاهِيَّتِهَا!
اقتربت منها أكثر، مخترقًا غشاوة اللا مبالاة، وسدول الغلظة، وأستار العزلة، وحجب الأنانية، وقد ضرب القلب على أوتار بقايا إنسان، يرأف بضعيف، ويعطف على عائذ مسكين، ومشرد حزين، فرأيتها وقد تَقَوْقَعَتْ فِي مَكَانِهَا، وَتَشَرْنَقَتْ فِي مَوْضِعِهَا، وَهِي تَنْظُرُ بِعَيْنِ الرِّيْبَةِ وَالشَّكِّ وَالْخَوْفِ وَعَدَمِ الْاطْمِئْنَانِ لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهَا، أو من يتسلل إلى حماها.
جوع وتسول وألم وإهانة

تَرُوْمُ لَوْ تَقِيْهِ مِنْ حَرِّ الصَّيْفِ الْقَائِظِ، أَوْ تَمْنَعُ عَنْهُ بَرْدَ الشِّتَاءِ الْقَارِسِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمْسَكَتْ فِيْهِ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ جَافَّةٍ، قَدِ الْتَقَطَتْهَا مِنْ سِلَالِ الْمُهْمَلَاتِ وَصَنَادِيْقِ الْقُمَامَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ بَلَّلتْهَا بِرِيْقِهَا الْمُتْعَبِ، وَفُؤَادِهَا الْمُنْشَعِبِ، تَضَعُهَا فِي فِيْهِ، بَيْنَمَا اغْرَوْرَقت أَحْدَاقُهَا بِالدُّمُوْعِ، وَارْتَجَّ صَدْرُهَا بِالْأَنَّاتِ، وَبِحُنُوِّ الْأُمِّ، وَعَطْفِ الْأُخْتِ، تَرْبِتُ عَلَى كَتِفَيْهِ الْعَارِيَيْنِ، وَبِلِسَانِ حَالِهَا، تُنَادِيْهِ:
“أَلَّا تَحْزَنْ يَا صَغِيْرِي، تَمَاسَكْ، لَا بَأْسْ عليك، اِصْبِرْ، سَيَكُوْنُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، هَيَّا فَاقْتَرِبْ مِنِّي أَكْثَر فَأَكْثَر، لَا تَقْلَقْ، فَأَنَا مَعَكَ، أُؤْنِسُكَ، وَإِنْ خَذَلَكَ الْخاذِلُوْنَ، أُطَمْئِنُكَ، وَإِنْ بَاعَكَ الْمُنَافِقُوْنَ، فَأَنَا مَعَكَ يَا صَغِيْرِي، معك، رغم فعل الدهر، وتقلبات الزمان، فلا تنتظر أمًّا غيري، ولا أبًا سواي، بل لا ترتقب دولة تحميك، ولا غنيًا يرضيك، ولا مؤسسة تؤويك، ولا مترفًا يواسيك، أنا معك وإن نسيك البشر، وتغافل عنك القوم، وغدر بك القريب، وتململ منك الغريب، لن أتركك ما حييت، فلَا تَجْزَعْ، نعم لا تجزع”.
تشرد الأطفال مأساة لا تنتهي
يحتضنها بشدة حتى تختلج ضلوعه، بينما تَنْظُرُ بِعَيْنَيْنِ مَوْجُوْعَتَيْنِ –وَالْأَسَى يُقَطِّعُ نِيَاطَ قَلْبِهَا، وَالْهَمُّ يُمَزِّقُ حَنَايَا صَدْرِهَا- لِلرَّائِحِيْنَ وَالْغَادِيْنَ مِنَ الْأَطْفَالِ، وَقَدْ أَمْسَكُوْا بِآَبَائِهِمْ، وَتَشَبَّثُوْا بِأُمَّهَاتِهِمْ، متعلقين بهم، وَقَدِ ارْتَدَوْا أَفْخَرَ الثِّيَابِ، وَاتَّشَحُوْا أَرْقَى الْجِلْبَابِ، وَتَزَيَّنوْا بِأَفْضَلِ الْحُلَلِ، وَتَسَرْبَلُوْا بِطُوْلِ الْأَمَلِ، وَانْتَعَلُوْا مَا غَلَا ثَمَنُهُ، وَزَادَتْ قِيْمَتُهُ، قافزين بلعبتهم، فرحين بحالهم، وكأنما الدنيا قد حيزت لهم.
“لا تقلق يا صغيري، فغدًا لنا، لنا وحدنا، وحدنا وليس سوانا”، وتظل تهدهده، وتمسح على صدره، وهو ينظر إليها، وفي عقله ألف سؤال وسؤال، وإن لم يستطع الإبانة، فيكتفي بالإشارة، ويظل هكذا حتى ينام في حجرها، فتغطيه بطرف ثوبها الذي كشف عن نصف ساقها.
بَيْنَمَا لِسَانُ حَالِهَا يَقُوْلُ فِي آَهَةٍ مَكْتُوْمَةٍ، وَصَرْخَةٍ مَخْبُوْءَةٍ مَرْجُوْمَةٍ: “رَبَّاهُ ماذا فعلنا؟ لماذا نحن دون غيرنا؟ لماذا؟! هل أجرمنا؟! هل نستحق ما وصلنا إليه من الفاقة والعوز، وعدم الأمان، وفقدان الاطمئنان؟ رباه، لِمَاذَا كُتِبَ عَلَيَّ أَنَا وَصَغِيْرِي الْمِسْكِيْنُ هَذَا الشَّقَاءُ، وَخُطَّ عَلَيْنَا دُوْنَ سِوَانَا ذَاكُمُ الألم والَّلأْوَاءُ؟!
مقالات ذات صلة:
ماذا تفعل الحروب بالأطفال الصغار
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا