بين الجهل والعلم.. المنطقة الأكثر خطرًا
المعرفة القليلة شيء خطير، اشرب بعمق أو لا تشرب على الإطلاق .. ألكسندر بوب

من أغرب ما في الناس أن الجاهل الصريح يسأل ويتعلم، والعالم الحقيقي يتردد ويتثبت، أما صاحب المعرفة القليلة فيتكلم كأنه حسم المسائل كلها. يقرأ مقالًا هنا أو يشاهد مقطعًا هناك أو يسمع محاضرة هنالك، ثم يخرج منها وهو يشعر أنه امتلك مفاتيح الحقيقة كلها. فإذا ناقشته رأى في المراجعة انتقاصًا منه، وإذا خالفته ظن أنك لم تفهم ما فهم.
هكذا لا يكون الخطر في الجهل دائمًا، بل في ذلك المقدار الضئيل من المعرفة الذي يكبر في عين صاحبه حتى يحجب عنه رؤية جهله الواسع. ولعل هذا ما قصده ألكسندر بوب بقوله: “المعرفة القليلة شيء خطير، اشرب بعمق أو لا تشرب على الإطلاق”. فالرشفة السريعة من نهر العلم قد تروي الغرور أكثر مما تروي العقل.
إن المعرفة الحقيقية تشبه الوقوف على شاطئ بحر واسع، فكلما اتسعت رؤية الإنسان أدرك مقدار ما يجهله. ولهذا كان العلماء أكثر الناس تواضعًا، لأنهم يعرفون اتساع الميدان الذي يتحركون فيه. أما صاحب “نص خمدة” –كما يقال في لهجتنا الدارجة– فإنه يقف عند أول الطريق ويظن أنه بلغ نهايته. فلا هو بقي على جهله الذي يجعله يسأل ويتعلم، ولا هو بلغ منزلة العلم التي تمنحه البصيرة والاتزان.
لهذا ترى بعض الناس يخوضون في أدق تفاصيل القضايا الدينية والفكرية والعلمية بثقة كاملة، في حين يتردد المتخصص في إطلاق حكم واحد حتى يستوفي النظر والتمحيص. كأن لسان حال أحدهم يقول: “ما دمت أعرف شيئًا فقد عرفت كل شيء”، وما أبعد ما بين الأمرين!
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “جادلت مائة عالم فغلبتهم، وجادلني جاهل واحد فغلبني”. وليس المقصود غلبة الحجة، بل غلبة العناء والمشقة، فالعالم يبحث عن الحق، فإذا وجده سلّم له ولو جاء على يد غيره، لأن غايته الوصول إلى الحق لا الانتصار في المواقف.
أما محدود المعرفة فإنه يدافع عن رأيه كما يدافع عن ملكه الخاص، ويرى التراجع هزيمة لا فضيلة. لذلك قال بعض الحكماء: “الإنسان عدو ما يجهل، أو من جهل شيئًا عاداه”. فهو لا يرفض الدليل لأنه ضعيف، بل لأنه لا يمتلك الأدوات التي تمكنه من فهم قوّة هذا الدليل. ولهذا يصبح الحوار معه دائرًا في دائرة مغلقة، كلما زادت البراهين ازداد تشبثًا بما عنده. ومثل هذا الشخص ينطبق عليه قول الشاعر:
أقول له (زيدًا)، فيسمع (خالدًا)
ويكتبه (عمرًا)، ويقرأه (سـعدًا)
وقد وجدت هذه الظاهرة (أبو نص خمدة) في وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية للنمو والانتشار. ففي الماضي كان المرء يحتاج إلى سنوات من التعلم حتى يجلس للناس معلمًا أو موجهًا، أما اليوم فتكفيه شاشة وهاتف وحساب نشط ليقدم نفسه خبيرًا في كل شيء. فتضاعفت الأصوات، وقلّت المعايير، وكثر التشغيب على العلماء وأهل الاختصاص.
وليس أخطر على المجتمعات من أن يرتفع صوت من لا يعلم فوق صوت من يعلم، وأن تتحول الجرأة على الكلام إلى بديل عن المعرفة. وقد صدق من قال: “السنبلة الفارغة ترفع رأسها عاليًا، أما الممتلئة فتنحني من ثقل ما فيها”. وهكذا يبقى العلم الحقيقي مولّدًا للتواضع، في حين تبقى أنصاف المعارف مصنعًا دائمًا للغرور والضجيج وسوء التقدير.
مقالات ذات صلة:
المعرفة الإيجابية بين العلم والثقافة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا