
أثار الطرح الذي قدمه الأستاذ الدكتور محمد رياض، أستاذ علم النفس التربوي، بكلية التربية جامعة اسيوط، قضية بالغة الأهمية تمس البنية العميقة للبحث العلمي في جامعاتنا، حين ميّز بوضوح بين الدكتوراه الأكاديمية والدكتوراه المهنية، مؤكدًا أن الخلط بينهما أصبح واقعًا يحتاج إلى مراجعة جادة.
والفكرة التي طرحها تت جاوز الجدل بخصوص المسميات، لتصل إلى جوهر وظيفة الدرجة العلمية ذاتها: هل نحن بصدد مشروع علمي يضيف معرفة جديدة إلى التخصص، أم جهد تطبيقي يعالج مشكلة مهنية محددة ثم ينتهي أثره عند هذا الحد؟
هذا السؤال يضع الجامعة أمام مرآتها الحقيقية، هل هي مؤسسة لإنتاج المعرفة، أم لتحسين الأداء المهني فقط؟ ففي الأنظمة الجامعية المتقدمة لا يوجد هذا الالتباس، فالجامعات نفسها تمنح النوعين معًا، لكن بفلسفتين مختلفتين بوضوح: دكتوراه أكاديمية (PhD) تتمحور حول الإسهام النظري، ودكتوراه مهنية مثل EdD وPsyD وDBA وغيرها، تركز على تطوير الممارسة في الواقع.
والدكتوراه الأكاديمية وفق المعايير العلمية العالمية، ليست محض دراسة تطبق برنامجًا أو تقيس فروقًا إحصائية، بل مشروع فكري عميق هدفه توسيع حدود المعرفة. ومعيار الحكم عليها: الإضافة الأصيلة مثل: نموذج جديد، أو مفهوم معدل، أو معاد بناؤه، أو معالجة نقدية تفتح أفقًا نظريًا. لذلك تتسم بالصرامة المنهجية، والاشتباك النقدي مع الأدبيات، والتأصيل الفلسفي، وغالبًا ما توجّه لإعداد الباحثين القادرين على النشر الدولي والإسهام في التراكم المعرفي طويل المدى. وفي المقابل نجد أن الدكتوراه المهنية تنطلق من مشكلة حقيقية داخل مؤسسة تعليمية أو صحية أو اجتماعية، وتسعى إلى تحسين الأداء عبر تدخل علمي منظم. ومعيار نجاحها ليس حجم الإسهام النظري، بل حجم الأثر التطبيقي، وأي مقدار للتحسن الذي أحدثته في الواقع. هي تحسن تطبيق المعرفة أكثر مما تنتج معرفة جديدة، وهذا دور مهم، لكنه مختلف في طبيعته.
والتمييز الذي أشار إليه أ.د. محمد رياض يتسق مع ما هو معتمد في أطر المؤهلات الدولية، إذ يفرّق بين الدكتوراه البحثية التي تشترط إسهامًا أصيلًا في المعرفة، والدكتوراه المهنية التي تشترط إسهامًا أصيلًا في الممارسة المهنية. ففي مجالات مثل علم النفس التربوي والصحة النفسية والتربية الخاصة، توجد بالفعل دكتوراه مهنية في عديد من الجامعات الغربية، تركز على التدخلات الميدانية، وتصميم البرامج العلاجية وتحسين الخدمات وتطوير السياسات، في حين تبقى PhD معنية ببناء النماذج التفسيرية، وتطوير أدوات القياس، وصياغة الأطر النظرية. تظهر الإشكالية حين تتحول بعض الرسائل إلى تطبيق برنامج، وقياس قبلي وبعدي، واستخراج فروق دالة، دون عمق نظري أو إسهام مفاهيمي واضح، ثم تقدّم بوصفها “دكتوراه فلسفة”. هنا لا تكمن المشكلة في التطبيق، بل في غياب الإطار الفلسفي الذي يبرر منح درجة يفترض أنها تضيف للمعرفة.
ومن هذا المنطلق تبرز رؤية إصلاحية ضرورية تتمثل في وجوب وضوح الفروق بين هذين النظامين داخل مؤسساتنا الجامعية، ليس على مستوى اللوائح فقط، بل على مستوى الوعي الأكاديمي لدى الباحثين وأعضاء هيئة التدريس. ويعد فهم طبيعة مخرجات كل نظام هو الخطوة الأولى، فمخرجات الدكتوراه الأكاديمية تتمثل في إنتاج معرفة قابلة للتعميم والتراكم والنشر الدولي، في حين تتمثل مخرجات الدكتوراه المهنية في نماذج تدخل فعالة، وتحسينات مؤسسية، وحلول تطبيقية قابلة للتنفيذ. هذا الفهم ينبغي أن ينعكس مباشرة على تصميم البرامج نفسها، بحيث تبنى المقررات الدراسية، والتدريب البحثي، ومتطلبات الرسالة، وفق المسار المستهدف. إذ أنه لا يعقل أن نعد باحثًا بمقررات تطبيقية خالصة ثم نطالبه بإسهام فلسفي عميق، ولا أن نثقله بالتنظير المعرفي المعمق ثم نقيس نجاحه فقط بمدى حلّه لمشكلة إجرائية محدودة.
وعلى ضوء ذلك فالفصل الواضح بين المسارين لا ينتقص من قيمة أي منهما، بل يعزز الصدق الأكاديمي ويرفع الجودة. والجامعة الحديثة تحتاج إلى باحثين يوسعون حدود النظرية، كما تحتاج إلى قادة مهنيين يطورون الممارسة والمشكلة ليست في وجود دكتوراه مهنية، بل في أن تمارس بوصفها كذلك دون أن يعترف بطبيعتها، أو أن تمنح دكتوراه أكاديمية دون تحقق شروطها المعرفية.
وعلى ذلك فالرسالة الجوهرية التي يبرزها طرح أ.د. محمد رياض، وتدعمها هذه الرؤية، أن احترام الفروق بين الدكتوراه الأكاديمية والمهنية ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرط أساسي لبناء منظومة بحثية ناضجة تعرف بدقة متى تنتج معرفة جديدة، ومتى تحسن الواقع المهني، دون أن تختلط الأدوار أو تتضخم الادعاءات. هكذا فقط يمكن أن نتحرك من استهلاك المعرفة إلى صناعتها، ومن تحسين الممارسة إلى قيادة الفكر في التخصص.
مقالات ذات صلة:
المعرفة الإيجابية بين العلم والثقافة
المعرفة الحدسية المباشرة: نفسيًا وفسيولوجيًا
أستاذ الجامعة بين “إنتاج المعرفة” و”نقل المعرفة”
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا