بالعقلِ أَبْدَأُ!
عندما طُلب مني المشاركة في المبادرة اعجبني ليس فقط المبادئ ولكن ما زاد قناعتي هو عنوانه العبقري اللافت “بالعقل نبدأ“.
ذلك العنوان الذي هو بمثابة الشعار، وكان المدهش أن هذا الشعار هو مضمون “رسالتي في الحياة“، تلك الرسالة التي صدرت بها “بروفايلي” على الفيس بوك، والتي نصها: “رسالتي في الحياة هي إرضاء الله عز وجل، بأن أتعلّم وأعلّم هادفًا إلى نهضة هذه الأمة من الباب الصحيح: باب العقل“.
فبابُ العقلِ هو الباب الملكي، بل الباب الأولُ والأخير، الذي علينا أن ندخله سجدا، وإذا ما أراد مجتمعٌ من المجتمعات أن يحققَ نهضةً علميةً حقيقية دائمة ومستدامة وشاملة، في كافة المجالات: الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية فكل شيء -صديقي القارئ وصديقتي القارئة- يبدأ من هنا: من العقل.
على مستوى المجتمع
على مستوى المجتمع لا يمكن لمجتمع من المجتمعات أن يتقدمَ بدون معونة العقل المُلهِمة. إن المجتمعات التي لا يعقلها العقلُ بعقاله (عقاله المتحرر والمحرر!) لهي مجتمعات تُلقي بنفسها في قلب المجهول ثم يأخذها المجهولُ ويضعها بكلتا يديه المستبدتين، ملقيا بها -غيرَ مأسوفٍ عليها- إلى خارج خارطة التاريخ!
دعني أذكرُ لك مقولةَ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650): “إن أجلّ نعمة ينعم الله بها على بلد من البدان هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين“. وأيضا قول ديكارت، الذي يشبه قانونا من القوانين الإلهية: “إن أعدل الأشياء قسمة بين الناس هو العقل“.
وكمجرد مثال مما قاله علماؤنا وفلاسفتنا العرب دعني أذكر لك الكندي، فيلسوف العرب (أبو يوسف يعقوب ابن اسحق 185هــ/805- 256هـ/873)، الذي سمى في كتابه “إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى” الذين يرفضون أحكام العقل بـ “أهل الغربة عن الحق، وإن تُوّجوا بتيجان الحق من غير استحقاق، لضيق فطنتهم عن أساليب الحق وقلة معرفتهم بما يستحق ذوو الجلالة في الرأي والاجتهاد في الأنفاع العامة الكل الشاملة لهم”.
وما أكثر أهل الغربة عن الحق، في عالمنا العربي المعاصر، من قادة العامة الذين يكرِّهون الناس –حفاظًا على تيجانهم وكراسيهم المزورة– في نعمة العقل، الشيء الوحيد الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات.
على مستوى الأفراد
هذا فيما يتعلق بصفة عامة بالمجتمع، أما ما يتعلق بالأفراد فدعني –صديقي القارئ صديقتي القارئة– أن أستحضر لك أُمثولةً أبدعتها عبقريةُ الفيلسوف اليوناني أفلاطون (427-347 ق.م) ليضرب بها المثل –والأمثال لا يعقلها إلا العاقلون– أقصد أمثولة العربة الواردة في كتاب “الجمهورية”:
“إن نفسك مثل عربة يقودها حصانان، الأول هو “حصان الشهوة”، والثاني هو “حصان الغضب”. فإن لم يكن سائق عربتك هو “العقل” فسيقودك أحدُ الحصانين –أو كلاهما معا– إلى الهاوية حيث، في النهاية، حتما ستتحطم عربتُك، وتخسر حياتك”.
إذن بالعقل نبدأ، وبالعقل أبدأ أنا، وبالعقل تبدأ أنت، حتى تصل عربتُنا جميعًا: عربة مجتمعاتنا (عربتنا العامة) وعربتنا الخاصة (عربة كل واحد منا)، إلى بر الأمان، حيث السعادة التي يعد بها العقلُ أتباعَه، من أولي الألباب، أي أصحاب العقول، سواء أكانوا مجتمعا من المجتمعات أم فردا من الأفراد.
ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسَه الآن، والذي يجب أن أجيبَ عنه بوضوحٍ شديد، ماذا أقصدُ بالعقل الذي أبجلهُ كل هذا التبجيل، والذي تدعونا مبادرةُ بالعقل نبدأ إلى العمل على هديه والسير في طريقه؟
السؤال الكبير:
ما العقل؟
ذلك هو موضوع دردشتنا القادمة بإذن الله.
اقرأ أيضاً:
أيهما أهم في الحياة الأشياء المادية أم الأفكار العقلية؟
مكانة العقل في الفلسفة العربية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.