المجتمعات المأزومة: العلل.. المآلات.. الحلول – الجزء الأول

لما كان وجود أي مجتمع يتشكل من شقين رئيسين، الشق الأول هو عقل جمعي (وعي) يحدد التصور الفكري الذي تتبناه المجتمعات للوجود، ويفصل غاياتها في هذا الوجود، ويرسم السبل الفردية والجمعية لكيفية تحقيقها لهذه الغايات،
والشق الثاني هو الواقع التطبيقي الذي يترجم بشكل جزئي أو كلي طروح هذا التصور سواء في بنية مؤسسات هذه المجتمعات أو في مسيرتها نحو تحقيق الغايات التي يطرحها تصورها الفكري، فلا مراء أن أي تشوه في أي طرح من طروح ذلك التصور سيخلف حتما تشوها في واقع المجتمع الذي سينبني على هذا التصور المشوه،
كما أن أي قصور في تطبيق طروح هذا التصور على أرض الواقع سواء في بنية مؤسسات هذه المجتمعات أو في مسيرتها –حتى لو كان تصورها سليما– سوف يجعل إمكانية بلوغ المجتمع لهذه الغايات أمرا بعيد المنال على قدر هذا القصور.
أما إذا كان ثمة تشوه يضرب التصور والواقع معا فإن هذا يجعل إمكانية تحقيق الغايات التي يحملها هذا التصور ضربا من الأماني العسيرة على التحقق.
التصور الفكري لدى المجتمعات العربية
والمتأمل في وضعية المجتمعات –لا سيما العربية منها– يجد أن الخلل الذي يضرب الواقع الذي تعيشه لا يقف عند الإخفاق في تحقيق غاياتها في هذا الوجود، وهي الغايات الماثلة في أن تصبح مجتمعات أمة الرحمة للعالمين، وإنما يجد أنها تكابد خللا يمتد إلى تهديد وجودها ذاته،
ولم لا يهدد ذلك الخلل هذا الوجود وهي تعيش الآن وضعية تحمل خطوبا تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخها كله؟ فهي تتعرض لصراع وجودي من قبل القوى المهيمنة عالميا، التي تسعى كل منها أن تهيمن على مقدراتها عبر احتلال أراضيها أو احتلال وعي أبنائها (على نحو مغاير لوعيهم) أو عبر تفكيك جماعاتها ومجتمعاتها أو تزكية الخلاف فيما بينهم، ناهيك عما تتعرض له من تهديد قادم من داخلها متمثلا في تمزق نسيجها المعرفي والاجتماعي إلى شيع وأحزاب، كل بما لديهم فرحون،
ومتمثلا في أفراد متنفذين أو جماعات أو مؤسسات متنفذة.. كل يسعى لتحقيق مصالحه، ولو كان على حساب مصلحة الأمة بأسرها. ولا غرو أن الانشغال بكيفية تجاوز المجتمعات العربية لهذه الوضعية التي تضرب الفكر والواقع معا هو هم ينبغي أن يؤرق بال كل عاقل.
أما المتأمل في التصور الفكري الذي يشكل العقل الجمعي للمجتمعات العربية فبالإضافة إلى كون الواقع يعد مؤشرا لا تخطئه عين على اختلال هذا التصور الفكري، فإن أي متفحص في ملامحه سيجد ضعفا في بنيته على نحو جعله بالفعل غير قادر على تحقيق ما تصبو إليه المجتمعات العربية، هذا من ناحية، وجعلها تتمزق إلى أمم وشيع من ناحية أخرى.
وهنا ثمة حاجة –بداية– لإعادة بناء هذا الفكر على أسس إبستمولوجية رصينة تجعله قادرا –عندما يطبق على أرض الواقع– على أن ينهض بمجتمعاتنا العربية من كبوتها، ويقودها نحو احتلال المكانة التي تليق بها بين مجتمعات الدنيا كمجتمعات تنتمي لأمة الرحمة للعالمين، خير أمة أخرجت للناس، هذا من ناحية، وقادرا من ناحية ثانية على أن يحسم الخلاف بين شراذمها ويوحد كلمتهم وحركتهم، على الأقل فيما يتعلق بتحقيق تلك المجتمعات لمكانتها في هذا الوجود.
والواقع أن تحقيق ذلك يتطلب من العقل الواعي امتلاك ما يأتي:
أ- منهجية عقلية تنطلق من فهم مستنير لثوابت الدين وتستند إلى معايير تمكن كل المدارس الفكرية التي تنطلق من هذه الثوابت من التشخيص السليم لعلل واقع تلك المجتمعات، ولعلل وضعية الفكر الحالي، على نحو يُمكن من وضع اليد على جوانب الخلل التي تعتري هذا الفكر، والتي جعلته يتشظى إلى فرق عديدة متغايرة ومتناحرة، كل فرقة منها تدّعى أنها الفرقة الناجية، وجعلت أغلب المجتمعات العربية تعيش الوضعية التي تكابد أهوالها الآن.
ب- امتلاك معايير صارمة يتم خلالها وضع اليد على طبيعة الخلل الذي يضرب عملية التحام الفكر بواقع المجتمعات العربية كمقدمة رئيسية لتجاوز ذلك الخلل.
وبالطبع فإن تصدي العقل السليم والمنظم لهذه الوضعية الجلل يستلزم منه تشخيصها تشخيصا سليما ومتكاملا أولا، وقابلا للاتفاق عليه من قِبل كل من يستطيع أن يسهم في التصدي لهذه الوضعية ثانيا، وذلك كمقدمة حتمية لتلمس السبل السليمة –والكفيلة بتجميع الجهود حولها– التي تُمكن من التصدي لتلك الوضعية، والانتقال بمجتمعاتنا إلى تبوء المكانة التي تليق بها بين مجتمعات الدنيا.
وحتى يمكن الإسهام في تلمس الملامح العامة لسبل تشخيص هذه الوضعية على نحو سليم ومتفق عليه، فلا بد أن نضع في حسباننا عددا من البديهيات، سوف نستعرضها في مقال لاحق بمشيئة الله تعالى.
اقرأ أيضاً:
تهميش الفلسفة وسطوة اللاعقلانية في العالم العربي
أثر العقل الجمعي على السلوك الفردي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.