
في دردشاتنا السابقة “العقل والجدل(1) منطق الجدل بالتي هي أحسن” حدثتُك- صديقي القارئ صديقتي القارئة- عن تبني ابن حزم للجدل الذي دعا إليه القرآنُ الحكيم. أعني الجدل بالتي هي أحسن؛ حيثُ يتحول الجدلُ من منطق الغَلَبَةِ والانتصارِ على الخصم بأي ثمن (ولو كان الثمن هو التضحية بالحقيقة ذاتها!)، إلى منطق للحق والعقل والبرهان، اتباعًا لقوله تعالى:“وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ“.
وفي هذه الدردشة نتحدث عن القواعد التي وضعها الفقيهُ والفيلسوفُ ابن حزم الأندلسي للجدال بالتي هي أحسن، وذلك على النحو الآتي:
قواعد الجدل بالتي هي أحسن
يضع ابن حزم الشروطَ والإجراءاتِ المنهجيةَ التي يجب توافرها في الجدل لكي يكون علمًا. ولعلَّ من أهم هذه القواعد، والتي تعد أُطُراً ضابطةً للجدل، القواعد الخمس الآتية:
- قاعدة الوضوح.
- قاعدة اليقين.
- قاعدة التصور الواقعي.
- قاعدة المراجعة الذاتية.
- قاعدة الاجتهاد المطلق.
القاعدة الأولى: قاعدة الوضوح
يشترط ابن حزم قاعدةً أوليةً هي: ألا يستعمل المجادلُ كلاماً مستغلقاً أو غامضاً أو مبهماً: “يظنُ العاقلُ أنه مملوءٌ حكمةً بينما هو مملوءٌ حذراً وتمويهاً على السامع“. وبناء عليه؛ ينتقد ابن حزم أحدَ معاصريه لأنه “أوْهَمَ خلقاً كثيراً أنه ينطق بالحكمة: “ولعمرى- يقول ابن حزم- أن أكثر كلامه ما يفهمه هو فكيف غيرُه؟!“. (وما أكثر هذا النوع في عصرنا، من أدعياء الفكر والحكمة والفلسفة، الذين يقولون ويكتبون كلاماً أكثره مغلقًا لا يفهمونه هم فكيف غيرُهم!)
القاعدة الثانية: تحصيل اليقين
تقرر هذه القاعدة أن الواجب على المتناظر:”أن يثبت ما أثبته البرهانُ، وينفي ما نفاه البرهانُ، ويقفُ فيما لم يثبتْه، ولا أبطله البرهانُ حتى يلوحَ له الحقُ“، فالمتناظر-طالب الحق- لا يعتمد المقدمات الظنية: المشهورة أو المسلمة، وإنما يعتمدُ المقدماتِ اليقينيةَ وحدَها، وهدفُه من المناظرة هو: تحصيلُ اليقينِ وطلبُ الحق.
القاعدة الثالثة: قاعدة التصور الواقعي
يجب أن تقوم المفاهيم والتصورات محل المناظرة على أساس من الواقع. فما لا سبيل إلي تصوره فهو باطل بمعنى: ما لا يكون داخلاً تحت مقولات الحس أو العقل لا يمكن تصوره ، وما لا يمكن تصوره فهو باطل:
- فـ”المكان المطلق” باطل ولا يكون المكان “إلا جِرْمًا” لأن ذلك من باب “الإضافة“؛ “فالمكان والمتمكن من باب الإضافة فلا يكون متمكن إلا في مكان، ولا مكان إلا لمتمكن ضرورة“، وكذلك القول في “الزمان المطلق” (إنها نسبيةُ ابن حزم!).
- و”العدم” ليس شيئاً وإنما هو-حسب تصور اللغة العربية- ذهابُ الشيء وبطلانه” (قارن ذلك بالنظرية الفيزيائية الحديثة: “شيء من لا شيء“.
فما لا يمكن تصوره غيرُ حقيقيٍ وغيرُ واقعيٍ، وإن الأمرَ في ذلك: “ليشبه الأعمى الذي يُكلفُ بصيراً أن يصورَ له الألوانَ، فهذا لا سبيلَ إلي تصويره ولا سبيلَ للأعمى إلي تصوره“.
(على ذلك يكون الفهمُ الجدليُ بالتي هي أحسن فهماً واقعياً تماماً؛ ينتفي منه كلُ تصورٍ لا يمكن وقوعُه تحتَ مقولاتِ الحسِ والعقل).
رابعاً: قاعدة المراجعة الذاتية
“إن الرجوعَ إلي الحق فرضٌ واجبٌ، فلا يقنع المناظرُ بغفلة خصمه، بل ينظر في كل ما يمكن أن يصحَ به قوله، فإن وجد حقاً ببرهان عليه أن يرجع إليه ولا يتردد، وإن كان على لسان خصمه”. (أي، اتبع الحق ولو على لسان خصمك، وراجع نفسك وارجع إلى الحق، ولا توهم نفسَك بانتصارٍ زائفٍ أو مزيف).
خامساً: قاعدة الاجتهاد المطلق
ترفض هذه القاعدةُ الخضوعَ لأى سلطانٍ غير سلطانِ الحقيقة. وفي ذلك يقول ابن حزم: “فلا تبالِ إنْ قيلَ أنك مبطلٌ.. ولا تستوحشْ مع الحقِ إلي أحدٍ.. ولا تبالِ بكثرةِ خصومك ولا بقِدَم أزمانِهم ولا بتعظيمِ الناسِ إياهم، ولا بعزتهم؛ فالحقُ أكثر منهم وأقدم وأعز وأعظم“. (أولئك هم الفلاسفة والعلماء المجتهدون اجتهاداً مطلقًا، الذين لا يخضعون لسلطان إلا سلطان الحق. وهؤلاء قليلٌ جداً ولا يعلم ابن حزم في الموجودات “شيئاً أقل منه البتة!”).
والخلاصة:
هذه كانت بعضُ الإجراءاتِ، والقواعد المنهجية، أو الشروط، التي يمكن أن تجعلَ من الجدلِ علماً دقيقاً مضبوطاً يستهدفُ الوصولَ إلى الحق، لا الانتصارَ الرخيصَ على الخصم بأي ثمن، فهذا هو “منطقُ الجدالِ بالتي هي أحسن”، لا منطقَ الكراسي الطائرة في المناظرات التلفزيونية، ولا منطقَ السبابِ والشتائم، ولا منطقَ الصراخِ والإثارة، لجلب المشاهدات والإعجاب الرخيص أو “اللايكات” البلهاء، ولا منطقَ الباطلِ الذي يلبسُ ثوبَ الحق إلخ)، إنه المنطقُ الذي دعا إليه القرآنُ العظيمُ، والذكرُ الحكيمُ، الواردُ في قوله تعالى: “وَجَادِلْهُمْ بالَّتي هي أَحْسَنُ“.
اقرأ أيضاً:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا