على السكة

أريد أن أصارحك، ولعلني مخطئ لكنه فهمي وإحساسي، أن حلم الانتصار الكبير الذي يشبه في عقل كثير من الإسلاميين في حتميته وقوته نفخة الصور والحشر الأخير هو حلم لن يتحقق، بل سيظل العالم على حالة من التدافع والتداول الحاصل الآن والحاصل قبل آلاف السنين.
بل في المرويات الصحيحة أن المشهد الختامي سيكون على عالم من الأشرار، بل حتى مرويات المهدي والمسيح هي انتصارات غير محسوبة ضمن خريطة جهادك أنت في الطريق، هذا إذا سلمت أصلًا بوقوع تفاصيلها.
فأظن أن هذه السكة (سكة العاملين للدعوة وللخير وللجمال في فريق أو منفردين) هي الوحيدة التي نهايتها (الدنيوية) موت داخل السيارة، وليست وصولًا إلى جراج أو مرفأ آمن، لأن اختيار السكة والسير فيها على بصيرة والاستمرار هو نفسه الوصول وهو نفسه الانتصار.
ليست هناك مدينة بعينها تريد أن تتخطى بوابتها، وليس هناك خط أبيض عريض تريد أن تجتازه ليصفق لك الجمهور، ولا مسافة محددة يجب أن تقطعها، بل النهاية موت عادي وسط الطريق (بعد شربة ماء، على سرير مستشفى، في زنزانة رطبة، معركة، أسفلت، رصيف، طابور).
وعليه، فيكفيك في نظري أن يكون غاية جهدك أن تصل الدعوة والحق والجمال منتهى خطوك أنت، ومدى صوتك أنت، ببلاغ رشيد مبين يمثل إعذارًا للمبلِّغ وحجة على الجاحدين، ولعلهم يتقون، وهذا عين البشرى.
فليس التكليف أن تجد الأرض كلها مساء الخميس السابق لـ”جمعة القيامة” قد اغتسلت وغدت ساعية إلى مساجدها من أمريكا إلى الصين، لكن المطلوب أن تحسن التبشير والتحذير لمن يطولهم بلاغك الرشيد المبين، ولعلهم يتقون.
وأظن –ولعلك معي– أن البلاغ المبين الذي تم بحمد الله في الرسالة قرآنًا وسنة، لم يتم بعد في السلوك، ويكفيك دليلًا على ذلك أن العرب حملة الرسالة الأُوَل، والأقرب لفهم فحواها، هم أكبر مشوهين للدعوة نفسها بسلوكهم المشين، سواء منهم من حل عراها من المنحلين، أو من كلكع سماحتها من المتنطعين، أو من سقطت على يافوخه أرفف المتون وركام الحواشي وصروح الشروح، فهو يتقافز بين الحقيقة والوهم كالفرخ المجروح.
وهذا التشوه في السلوك يؤكد نقصان البلاغ، ونقصان البلاغ يفرض عليك العمل لاستكمال ما لم يتم من مثالية الكمال.
وختامًا لهذه النقطة، اعلم يا “حسن”، والنصيحة لي قبلك، أنك لست مقياسًا للصواب والخطأ، ولا حتى السكة الصغيرة التي سلكتها مقياسًا لاتجاه الطريق الكبير، بل أنت وأنا وهو مجتهدون سلّمنا –ظاهريًّا– أمرنا لله لينير بصيرتنا ويضبط عجلة قيادتنا، والله وحده يعلم نيتنا ومستوى سعينا، وهما معًا –أي النية ومستوى السعي– اللذان يحددان إن كان طريقنا الذي سلكناه هو الطريق أم سرابًا نهايته بئر ملأى بالأفاعي والحميم.
أقترح عليك يا حسن أن تضبط سرعتك في سكة السائرين على “السرعة 80″، فهي متوسطة معقولة تتراوح بين التأني البارد والتهور الشارد، وتسمح لك بهامش أمان يحفظك من السقوط في بئر أي فكرة أو أشخاص.
وأقصد بالسقوط هنا الجانب السلبي الذي قد يأخذك إليه طول الانتماء أو الانحياز إلى فكرة أو إلى أشخاص، فالسرعة 80 تؤمّن لك وضعًا جيدًا لتقييم موقع قدمك باستمرار، وتتيح لك الضغط على الكابح مع أي طارئ في طريق فكرتك التي اخترت، وأيضًا تتيح لك الدوران الهادئ إلى أي منعطف جديد بعد رفع قدمك عن دواسة بنزين “الانتماء” بقليل، إذا تبين لك ضباب في السكة.
وأعني باختصار يا حسن أن تسرع في استكمال فكرتك الخيّرة العاملة في أي مجال، وتبدأ تطبيقها في هذه الحياة، لكن ببعض التغييرات الطفيفة في طريقة التفكير ودرجة الانحياز ومستوى الحركة في الحياة والتعامل مع الأفكار الأخرى، فلا تتورط في اشتباكات غير محمودة مع الذات والغير والنواميس.
وتعرف قبلي يا حسن أن آية “وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ” ما تركت لخامل أو قاعد حجةً، فالتعبير بالأثر المعنوي “يغيظ”، وتنكير “موطئًا” فتحا لطالب الإصلاح ولمطارد الأبالسة باب الميدان على مصراعيه ليعمل كل شخص قدر طاقته، بل كل فاعل مأجور على أدنى من طاقته، بنيّته –فردًا أو في فريق– في ترقية ذاته أو في نفع الناس، سواء ضد “بقّال” صغير محتال على ناصية حارته أو قوى عظمى على ناصية الكون.
فحارثة بن سراقة، الفتى المغمور الذي قتل بسهم طائش (رواه البخاري)، وكان أحد النظارة في “بدر” سكن الفردوس مع أسد الله حمزة الذي أطاح سيفه بأعناق سادة قريش.
أما أن تتوهم يا “حسن” أن للمواجهة والتحدي ونكاية الخصم طريقًا واحدًا وحلًا يتيمًا يوزن بالأرطال ويقاس بالأشبار، وصهيل الخيول وعلو الغبار، وحصر الجهاد في سيف وعتاد، فإن لم يتح الحل قعدت تهجو الحال والمآل وتجتر أقوالًا مأثورة يحفظها الأطفال، فهذا أوسع أبواب تلبيس إبليس، وهو عين التخاذل والقعود المستورين بورقة توت أكل نصفها الدود.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: “لعلَّكَ أن تُخلَّفَ حتَّى ينتَفعَ بِكَ أقوامٌ ويُضرَّ بِكَ آخرونَ” (البخاري)، وهذا ملخص حياة الشهيد الحي، وما أوسع ميدان نفع الحق وأهله وضرر الباطل وشيعه.
يقول الرافعي عن العاملين: “ذا العلم حقيق أن لا يُعدَم في كل خطْب حيلة”، ويقول الأفغاني عن الفريق نفسه: “إن الأسد لا يُعدَم فريسة”، فإن عجزت عن مواجهة العدو بسلاح فالدعوة إلى الله فريسة، كلمة الحق فريسة، نفع الناس فريسة، الكشف العلمي فريسة، الإبداع الفني فريسة، تنمية القوة فريسة، طلب العلم فريسة، إعداد البدن فريسة، الدعاء فريسة، الإنفاق فريسة، تعلم لغة فريسة، والنية في كل ذلك هي آلة الصيد، فابحث عن فريسة إن أعجزتك فريسة.
مقالات ذات صلة:
كيف أقود نفسي بسلام إلى وجهتي الصحيحة التي تحقق سعادتي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا