متى يراجع الإنسان نفسه؟

هناك أشخاص لا يختلفون كثيرًا في قدرتهم على الكلام، بل في قدرتهم على تزيين الخطأ حتى يبدو صوابًا، وتبرير الظلم حتى يظهر في هيئة الحق.
يمضون سنوات طويلة وهم يتقنون قلب المعاني، وتبديل المواقع، وإقناع الآخرين بأن ما يفعلونه ليس ظلمًا بل «حكمة»، وليس أذًى بل «ضرورة»، وليس تجاوزًا بل «تصحيحًا».
هؤلاء لا يكتفون بإيذاء الناس، بل يضيفون إلى الأذى طبقةً أشد خطرًا: تبريره.
فهم لا يظلمون في صمت، بل يصنعون حول أفعالهم خطابًا متماسكًا، يجعل من الصعب على الضحية أن تفهم ما حدث أصلًا، أو أن تجد اسمًا واضحًا لما تعرّضت له.
والمؤلم في هذا النمط من البشر ليس فقط ما يتركونه من آثار، وإنما في قدرتهم المستمرة على إعادة إنتاج رواية مختلفة لكل ما فعلوه.
فالظلم عندهم قابل للتأويل، والأذى محض «وجهة نظر»، والضمير شيء مؤجل، يمكن التفاوض معه إلى ما لا نهاية.
لكن ما يثير التساؤل حقًا:
ماذا يحدث عندما يصل الإنسان إلى نهاية العمر؟ عندما تخفّ ضوضاء الحياة، ويقترب الإنسان أكثر من مواجهة نفسه بدلًا من إدارة الآخرين؟
أليست تلك اللحظة أحقّ بأن تكون لحظة مراجعة؟ ألا يستحق الإنسان، قبل أن يغادر، أن يقف مع نفسه وقفة صدق، ولو مرة واحدة، فيسألها: من ظلمت؟ ومن آذيت؟
المؤلم أن بعض النفوس لا تستيقظ مع تقدّم العمر، بل تزداد صلابة في تبرير ما مضى، كأن السنوات الطويلة ليست فرصةً للمراجعة، بل شهادةً على «صواب المسار».
والسؤال هنا ليس أخلاقيًا فحسب، بل هو إنساني في جوهره: متى يراجع الإنسان نفسه قبل أن يغادر؟ متى يملك شجاعة الاعتراف بأن إعادة تبرير الظلم وتجميله لن تغيّر حقيقته؟
فثمّة لحظة لا تنفع فيها البلاغة، ولا تتسع فيها مساحة التأويل، ولا يستطيع الإنسان أن يدير فيها روايةً عن نفسه كما كان يفعل أمام الآخرين.
لحظة يقف فيها وحده أمام الحكم العدل، الذي لا يختلط عنده الحق بالباطل.
إن أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان ليس أن يدان من الآخرين، بل أن يكتشف أنه عاش طويلًا دون أن ينصف نفسه ولو مرة واحدة في العمر.
قد تخدع الناس بما تشاء، وتحسن إخفاء الحقيقة ما استطعت، لكنك لن تخدع يوم الحساب. هناك تسقط الأقنعة، وتنتهي الحيل، ولا يبقى للإنسان إلا أن يواجه حقيقة ما فعل.
فاللهم ارزقنا شجاعة مراجعة أنفسنا قبل أن نراجع، وصدق الاعتراف بأخطائنا قبل أن تكشف.
اللهم اجعل لنا من ضمائرنا واعظًا، ومن أخطائنا درسًا، ومن أعمارنا فرصةً للإصلاح لا للإصرار، وللتوبة لا للتبرير، قبل أن تبلى السّرائر.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.