بين ما نؤمن به وما نعيشه

يقول أحد العلماء: “إذا تعارض السلوك مع المعتقد، فإنه ينتج عن ذلك صراع رهيب مدمر للنفس الإنسانية، ولا يسع الإنسان في هذه الحالة إلا أحد أمرين حتى يرتاح: إما أن يعيد تكييف سلوكه مع معتقده، أو أن يكيف معتقده ليوافق سلوكه”.
ليس أصعب على الإنسان من أن يعيش منقسمًا على نفسه، يؤمن بشيء ويسير في غير طريقه، ويقتنع بقيمة ثم يتصرف على نحو يناقضها. فالنفس لا تتأذى من المشقة بقدر ما تتأذى من التناقض، لأن المشقة قد تُحتَمل إذا كان لها معنى، أما التناقض فيستنزف طاقة الإنسان وهو يحاول الجمع بين صورتين متعارضتين لذاته.
لهذا نجد أن كثيرًا من حالات القلق والاضطراب الخفي لا تنشأ من نقص الإمكانات أو قسوة الظروف، وإنما من اتساع المسافة بين ما يراه المرء حقًا وما يختاره فعلًا. وكلما ازداد هذا التباعد ضعفت راحته الداخلية، لأن الفطرة تميل بطبيعتها إلى الوحدة والانسجام، وتضيق بأن يعيش الإنسان بعقل في جهة وسلوك في جهة أخرى.
نبني من الأقوال قصرًا شامخًا والفعل دون الشامخات ركام.
لهذا لا يستمر هذا الوضع طويلًا دون أن يفرض حله على صاحبه. فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاتساق الداخلي ليحافظ على توازنه النفسي، لذلك يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يرتقي بسلوكه ليقترب من معتقده، وإما أن يخفض من مستوى معتقده ليبرر سلوكه.
الطريق الأول شاق في بدايته لأنه يتطلب مراجعة النفس ومقاومة العادة ومواجهة التقصير، لكنه أكثر الطرق حفظًا لكرامة الإنسان ونموه. أما الطريق الثاني فيبدو أيسر، إذ لا يغير الواقع بل يعيد تفسيره، غير أن كلفته بعيدة المدى، لأنه لا يعالج الخلل بل ينقل موقعه من السلوك إلى الفكرة، ومن الفعل إلى الضمير، حتى يصبح الإنسان أقل حساسية تجاه ما كان يعده يومًا خطأ أو تقصيرًا.
من هنا تتجلى أهمية التربية الحقيقية، فهي لا تتمثل في حشد المعلومات ولا في كثرة الشعارات، بل في بناء الجسر بين القناعة والعمل. فالقيم لا تترسخ لأنها معروفة، وإنما لأنها معاشة، والأفكار لا تصنع الشخصية ما لم تتحول إلى مواقف وسلوك. كما أن المجتمعات لا تضعف حين يقل الكلام عن المبادئ، وإنما حين يكثر الحديث عنها ويقل حضورها في الواقع.
وعندما ينجح الإنسان في مواءمة أفعاله مع ما يؤمن به، يكتسب شيئًا أثمن من النجاح الظاهر كله: صفاءً داخليًا يجعله أقل اضطرابًا، وأكثر ثباتًا، وأقدر على مواجهة الحياة، لأن أعظم صور القوة ليست في الانتصار على الآخرين، بل في أن يتصالح المرء مع الحقيقة التي يؤمن بها، فلا يعود مضطرًا إلى الهروب منها أو تبرير مخالفتها. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ الصف.
مقالات ذات صلة: