
مقدمة
لطالما قدّم علم الاجتماع نفسه بوصفه علمًا “محايدًا”، يكتفي بوصف الظواهر الاجتماعية وتحليلها دون إصدار أحكام معيارية أو اتخاذ مواقف أخلاقية. غير أن هذا الادّعاء بالحياد، الذي رفع إلى مستوى الفضيلة العلمية، تحوّل مع الزمن إلى أحد أكثر الأسلحة الخفية التي تعيد إنتاج الظلم الاجتماعي وتشرعن علاقات القوة القائمة. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يجب أن يكون علم الاجتماع محايدًا؟ بل: لصالح من يعمل هذا الحياد؟
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك مفهوم “الحياد” في علم الاجتماع، وبيان كيف تحوّل من أداة منهجية إلى حياد زائف يخدم السلطة، ويفرغ العلم من وظيفته النقدية والأخلاقية.
أولًا: الحياد بوصفه ادّعاءً لا حقيقة
من الناحية النظرية، يفترض أن الحياد يعني الفصل بين التحليل العلمي والميول الشخصية للباحث. غير أن هذا الفصل سرعان ما يصبح إشكاليًا عندما يتعامل علم الاجتماع مع:
- القهر
- الحرب
- الاستعمار
- التمييز
- العنف المؤسسي
في مثل هذه القضايا، لا يكون الصمت أو الوصف البارد موقفًا علميًا محايدًا، بل موقفًا سياسيًا مقنّعًا. فالامتناع عن تسمية الظلم ظلمًا لا يلغيه، بل يسهم في تطبيعه.
ثانيًا: إساءة استخدام أطروحة ماكس فيبر
يستدعى ماكس فيبر عادة لتبرير الحياد القيمي، غير أن فيبر لم يدع إلى إلغاء القيم من العلم، بل إلى التمييز بين: التحليل العلمي والمواعظ الأخلاقية المباشرة.
لكن ما حدث لاحقًا هو تحويل الحياد الفيبري إلى أيديولوجيا صمت، تجرّد علم الاجتماع من أي التزام أخلاقي تجاه ضحايا البنى الاجتماعية. وهكذا أصبح “الحياد” ذريعة للهروب من مواجهة السلطة بدل تحليلها نقديًا.
ثالثًا: سوسيولوجيا المعرفة وانكشاف وهم الحياد
كارل مانهايم، من خلال سوسيولوجيا المعرفة، كشف مبكرًا أن المعرفة الاجتماعية مشروطة بمواقع منتجيها داخل البنية الاجتماعية.
وبناءً عليه، فإن الادّعاء بأن علم الاجتماع ينتج خارج علاقات القوة ادّعاء غير علمي. فالعلم الذي ينتج داخل الجامعات المموّلة من الدولة أو السوق، ويكافأ حين يلتزم الصمت، لا يمكن عَدّه محايدًا بالمعنى الحقيقي.
رابعًا: مدرسة فرانكفورت والقطيعة مع العلم الوضعي
ذهبت مدرسة فرانكفورت خطوة أبعد، حين رأت أن العلم الوضعي لا يكتفي بوصف الواقع بل يشارك في تثبيته.
ميّز هوركهايمر بين العلم التقليدي: الذي يكتفي بالتفسير، والعلم النقدي: الذي يسائل البنية الاجتماعية ويكشف تناقضاتها. من هذا المنظور، يصبح الحياد ليس فضيلة، بل تخلّيًا عن الدور التحرري للعلم.
خامسًا: بورديو والحياد كونه عنفًا رمزيًا
بيير بورديو قدّم أحد أكثر التحليلات حدة، حين عَدّ أن السوسيولوجي الذي يدّعي الحياد يمارس عنفًا رمزيًا، لأنه يخفي انحيازاته خلف لغة تقنية.
فاللغة “المحايدة” لا تلغي الانحياز، بل تخفيه، وتمنحه شرعية علمية. وهكذا يتحوّل الوصف السوسيولوجي إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة بدل تفكيكها.
سادسًا: رايت ميلز وخيانة الخيال السوسيولوجي
رايت ميلز انتقد ما سمّاه علم الاجتماع الإداري، الذي يخدم:
- الدولة
- الجيش
- السوق
هذا النوع من العلم يقدّم نفسه بوصفه محايدًا، في حين هو في الحقيقة جزء من جهاز السلطة. وفي هذا السياق، يصبح الحياد الأخلاقي خيانة لدور المثقف، لا التزامًا علميًا.
سابعًا: فوكو ونهاية البراءة المعرفية
مع ميشيل فوكو، انتهى أي حديث جاد عن معرفة بريئة. فالعلاقة بين المعرفة والسلطة علاقة تأسيسية، لا عرضية. ومن ثم، فإن الحياد ليس سوى خطاب ينتج الطاعة عبر إخفاء علاقات القوة التي تحكم إنتاج المعرفة ذاتها.
ثامنًا: الحياد الزائف في زمن الحروب المعاصرة
في قضايا كبرى مثل:
- الاحتلال
- الإبادة
- قصف المدنيين
- التعذيب باسم الأمن
يتجلى الحياد الزائف بأوضح صوره، حين يساوى بين الجلاد والضحية، وتختزل الجرائم في “صراعات”، وتفرّغ اللغة من بعدها الأخلاقي. هنا لا يكون الحياد علمًا، بل تواطؤًا صامتًا.
خاتمة: نحو علم اجتماع أخلاقي نقدي
إن الحياد في علم الاجتماع ليس موقفًا علميًا خالصًا، بل اختيارًا سياسيًا غير معلن. وكل علم يرفض الانحياز للعدالة، سينحاز –شاء أم أبى– إلى الأقوى.
وعليه، فإن استعادة الدور الحقيقي لعلم الاجتماع تقتضي الاعتراف بأن المعرفة مشروطة وأن الصمت موقف، وأن النقد ليس خروجًا عن العلم، بل عودته إلى وظيفته الأصلية. فالعلم الذي لا يملك شجاعة تسمية الظلم سيتحوّل بالضرورة إلى أداة لإدارته.
مقالات ذات صلة:
المعرفة الإيجابية بين العلم والثقافة
نظريات علم الاجتماع على ميزان العقل
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا