مقالات

سلم وديعتك

حين تستدعي ذكرى قديمة محببة إلى قلبك، فأنت لا تستخرجها من أرشيف صلب وثابت كما تسحب صورة من درج المكتب، العقل أحيانًا يمارس خديعة بالغة العذوبة والقسوة معًا.

في كل مرة تتذكر فيها موقفًا يعيد عقلك كتابته من جديد. يحذف منه لحظات الملل أو القلق، يغض الطرف عن الشوائب ويطليه بوهج دافئ لم يكن موجودًا بالضرورة في لحظة وقوعه.

لهذا يوجعنا الحنين.

نحن في الحقيقة لا نشتاق إلى الماضي كما حدث بحذافيره قدر ما نشتاق إلى النسخة الصافية التي احتفظت بها أرواحنا، والحنين ليس عيبًا ولا نقيصة في الإنسان.

بعض الأيام كانت جميلة إلى الحد الذي يكسر القلب حين ندرك أنها مضت. أيام كانت فيها الحياة أبسط، وأشخاص كنا نظن أن وجودهم من ثوابت الوجود، ثم ابتلعتهم الأيام وصاروا محض ذكرى.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تأتيك اللقطة فجأة فيضيق بها الصدر وتدمع العين، ويشعر الإنسان بلهفة عارمة للعودة إلى زمن لا يملك إليه طريقًا.

لكن القرآن يضع هذا الحنين في مساره الصحيح، منتشلًا الروح من غرقها في الأمس. تأمل التعقيب الإلهي المهيب بعد ذكر قصة سيدنا إبراهيم ويعقوب وأبنائهم: “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)”.

توقف قليلًا عند كلمة “خَلَتْ”، كلمة قصيرة لكنها تلخص كثيرًا، خلت أي مضت وانتهت، صارت في ذمة الماضي وانتهى الأمر، حتى أعظم الأجيال وأجمل القصص وأكرم الخلائق على الله قد مضوا.

كأن الرسالة مفادها باختصار أن ليس كل ما نحبه في الماضي مطلوبًا منه أن يعود، ثمة أشياء عظيمة حدثت، ثم كان قدرها وقيمتها أن تظل في الماضي، تُتَذكر وتُستَوعب ويوعَظ بها القلب وتعتبر بها النفس، لكنها تظل في الماضي، قد خلت بما كسبت واكتسبت.

أما أنتم: “وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ”. القرآن لا يتركك طويلًا أمام سؤال ماذا كان. هو ينزعك برفق وحسم إلى سؤال ماذا تصنع أنت؟ “لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ”، كأن الآية تهمس في نفسك: اترك للأمس أمسه، كان لهم زمانهم وأعمالهم وأقدارهم، وأنت لك زمانك وأعمالك وأقدارك.

لا تجعل حياتك متوقفة عند باب أغلق، ولا تجعل أجمل ما في عمرك هو ما عشته بالفعل، فأنت ما زلت تملك شيئًا أخطر وأثمن بكثير، أن تصنع ما سيكون ماضيك غدًا، وقد يكون أجمل ما سيأتي في حياتك لم يحدث بعد.

القرآن يعيدك من مقبرة الذكريات إلى زمن العمل، ومن التباكي على ما فقدت إلى استثمار ما بقي، لكن لأنه نزل من رب لطيف خبير فهو لا يصادر إنسانيتك ولا يطلب منك أن تدَّعي صلابة زائفة.

تأمل الآية الأخرى: “لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ”، تأمل الكلمة: “ما فاتكم”، ثمة أشياء تفوت المرء وتترك في قلبه أثرًا موجعًا والمطلوب ألا يتحول الحزن على ما مضى إلى إقامة دائمة توطنه في الماضي.

يظهر هذا جليًا في مشهد سيدنا مشهد يعقوب عليه السلام حين فقد يوسف فقال “يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ”، ووصفه الخالق بقوله “وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ”.

كما ترى، نبي الله يعقوب لم يكن قلبه حجرًا أصم. لقد حزن، شعر بالفقد، اشتاق، بكى حتى كف بصره. لكن الحزن لم يقطعه عن ربه: “قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ”، لم يخف يعقوب حزنه، ولم يتظاهر بأن قلبه بخير وهو ليس كذلك. لكنه عرف أين يضع هذا الحزن، ولمن يرفع هذا الوجع.

المشكلة ليست أن تحزن لكن أن تبحث عن ملجأ لحزنك بعيدًا عن الله، فحين تأتيك الذكرى وتغص بها حنجرتك، لا تحاربها ولا تكابر، خذها إلى ربك، قل له ما لا تستطيع قوله لأحد، فهو الذي يعلم ما في الصدر قبل أن تنطق به الشفاه.

نحن نرى الصفحة التي أغلقت لكن ربنا يعلم الكتاب كله، قد نشتاق إلى مرحلة لأننا لا نرى إلا جمالها، ولا نعلم ماذا كان سيأتي بعدها لو استمرت. وقد نبكي على شيء أُخِذ منا ونحن لا ندرك أي خير كان يُخبَّأ لنا بعده. “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.

الحق أنك لا تحتاج إلى أن تعود إلى الماضي حتى تطمئن، تحتاج فقط أن تثق بالذي كان معك فيه، وهو نفسه الذي معك الآن. إن الذي رزقك أيامك الجميلة، قادر بكلمة “كن” أن يرزقك أجمل منها.

حين يزورك الحنين اذكر الماضي بحب واحمد الله أنه كان. لا بأس أن تبكي إن طغت عليك الذكرى، لكن لا تسكن البكاء يا صديقي فما فاتك صار عند الله، وما بقي لك فهو عند الله، وما سيأتيك فهو بيد الله.

إن بعض الأبواب تُغلَق لكي ننجو، لا لكي نموت حزنًا أمامها. سلم وديعتك لمن لا تضيع عنده الودائع، وامض مطمئنًا. أغلق باب الأمس بهدوء، ولا تقف طويلًا على عتباته فربما أجمل فصول روايتك لم يكتب بعد.

مقالات ذات صلة:

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏