
كعادة كل سنة، أعلنت أشهر قواميس اللغة الإنجليزية عن كلمة العام (أكثر الكلمات أو التعابير الاصطلاحية شيوعًا في نطاق الحياة العامة خلال العام)، فعلى سبيل المثال، اختار قاموس ميريام وبستر (Merriam-Webster Dictionary) كلمة (Gaslighting)، وتُترجم إلى العربية: قدح الشرارة أو التلاعب بالعقول، وتشير ببساطة إلى التلاعب النفسي الذي يمارسه شخصٌ على شخصٍ آخر أو مجموعة أشخاص، بهدف تضليلهم ودفعهم إلى الشك في ذاكرتهم وقدراتهم الإدراكية وسلامتهم العقلية، من خلال الإنكار المستمر والتضليل والمناقضة والكذب، بالإضافة إلى زعزعة الاستقرار النفسي للضحايا وتشكيكهم في إيمانهم.
يعود أصل الكلمة إلى مسرحية للكاتب الإنجليزي باتريك هاميلتون (Patrick Hamilton 1904 – 1962)، عُرضت سنة 1936 تحت عنوان “ضوء مصباح الغاز” (Gas light)، وتحكي عن مصابيح الغاز في بيت إحدى الضحايا التي يعمد زوجها إلى التلاعب بدرجة وقوة الإضاءة الصادرة عن هذه المصابيح، وحين تشتكي مما تلاحظه يوهمها بأنها تتخيل ويتهمها بالجنون! وقد اختار القاموس كلمة (Gaslighting) بعد أن ارتفعت عمليات البحث عنها بنسبة 1740 في المائة خلال سنة 2022، وتم البحث عنها يوميًا بكثافة ملحوظة.
وضع القاموس تعريفًا عامًا لها مؤداه أنها فعل أو ممارسة تضليل شخص ما بشكل صارخ، تحقيقًا لمصلحة شخصية، ومع أن الكلمة تُستخدم في الغالب كشكلٍ من أشكال الإساءة العاطفية في العلاقات بين الجنسين، لا سيما من قبل الرجال تجاه النساء، إلا أنها –كما وصفها القاموس– الكلمة الأكثر دلالة على عصر المعلومات المُضللة، إذ تتواتر الأخبار الزائفة، وتشيع نظريات المؤامرة، وتكثر ممارسات الإيقاع بالآخرين والتزييف العميق على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما قاموس أكسفورد (Oxford) فقد طرح للتصويت على كلمة العام ثلاث كلمات، الأولى كلمة ميتافيرس (Metaverse)، وهي كلمة استخدمها لأول مرة كاتب الخيال العلمي الأمريكي نيل ستيفنسون (Neal Stephenson) في روايته تحطم الثلج (Snow Crash 1992)، للدلالة على تفاعل البشر مع بعضهم البعض ومع البرمجيات في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد مشابه للعالم الفعلي، لكن استخدامها تضاعف أربع مرات خلال شهر أكتوبر 2022 مقارنة بالشهر ذاته من سنة 2021 بسبب ذيوع ثقافة العمل من المنزل والواقع الافتراضي.
الثانية هاشتاج “أتضامن مع” (IStandWith#)، الذي انتشر بكثافة وحظي بما يقرب من 2.8 مليون مشاهدة على تيك توك (TikTok) بسبب إعلان كثرة من الحكومات والشعوب تضامنها مع أوكرانيا بعد الغزو الروسي، وكذلك تضامن الناس مع الممثل والمخرج الأمريكي جوني ديب (John Christopher Depp II) في قضية طلاقه من الممثلة الأمريكية آمبر هيرد (Amber Heard).
أما الثالثة فهي التعبير “وضع العفريت” (Goblin mode)، وهو المصطلح الذي تصدر القائمة وفقًا لنتائج التصويت، ويشير ببساطة إلى نوعٍ من السلوك يتسم بالتسامح المبالغ فيه مع الذات دون تبرير، أو الكسل، أو الجشع، بطريقة تتمرد على القيود والتوقعات التي يفرضها المجتمع إذ يفعل المرء ما يحلو له، كأن يرتدي مثلًا سروالًا قذرًا ممزقًا، أو يتعايش مع فوضوية المنزل ويضع أمامه أكوامًا من الوجبات السريعة، أو يتخذ موقفًا عامًا لا يُبالي فيه بنظرة الناس له أو فكرتهم عنه. وعلى الرغم من أن التعبير يعود إلى سنة 2009، إلا أنه اكتسب زخمًا شديدًا منذ بدء أزمة كوفيد-19 في ظل الإغلاق ونزوع الناس إلى العمل والتواصل من المنزل.
أما قاموس كولينز (Collins) فقد وقع اختياره على كلمة (Permacrisis) –وتعني: فترة ممتدة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن، أو حالة العيش في أزمة دائمة– ككلمة للعام 2022، وهي كلمة مؤلفة من مقطعين: (Perma) وهي اختصار لكلمة (Permanent) بمعنى دائم، و(Crisis) بمعنى أزمة. وقد وصف ديفيد شارياتماداري (David Shariatmadari) المُحرر والكاتب بصحيفة الجارديان، دلالة الكلمة بقوله: “إنه مصطلح يُجسد تمامًا الإحساس المذهل بالانتقال من حدثٍ غير مسبوق إلى آخر، إذ نتساءل بشكلٍ قاتم عن الرعب الجديد الذي قد يكون قاب قوسين أو أدنى”، وكأنه يُشير بذلك إلى سلسلة من الأحداث المتتالية التي عاشها الإنسان المعاصر وعدّها من الأزمات، لا سيما في أوروبا، بداية من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومرورًا بجائحة كورونا، ووصولًا إلى الحرب الروسية الأوكرانية.
على أن البحث في الجذور الفلسفية للكلمة يكشف عن أن الأزمة (أية أزمة) ليست مُفزعة ومكروهة بالضرورة، بل قد تكون على المدى البعيد تصحيحًا ضروريًا ومُفيدًا لوضعٍ قائم. يتجلى ذلك في شبه الإجماع الفلسفي على أن الأزمة هي تلك الحالة التي تدفع بالفرد أو الجماعة نحو لحظةٍ فارقة من النقد المدروس، يتم بها رسم مسار جديد فيما يتعلق ببعض القضايا ذات الاهتمام المُلح. وهذا تعريفٌ ينبع من المصطلح اليوناني القديم (krisis)، الذي يصف لحظة طبية أو سياسية مناسبة تفصل بين الحياة والموت أو بين النصر والهزيمة، ومع ذلك، وكما أوضح فيلسوف التاريخ الألماني المعاصر راينهارت كوسيليك (Reinhart Koselleck 1923 – 2006)، فإن المفهوم اليوناني القديم للأزمة قد خضع لتحول سيمانطيقي تجلى في تغير معناه بشكل جذري ليشير إلى التناقض بين القوى المتعارضة التي تسرع بانتقال الماضي إلى المستقبل!
يمكن رؤية ذلك في وصف كارل ماركس (Karl Marx 1818 – 1883) للرأسمالية أنه نظام اقتصادي تُمزقه الأزمات، ففي صراعه لترويض قوى الإنتاج والعمالة والآلات، يتسبب هذا النظام في أزمات الإفراط في الإنتاج (Overproduction)، أي زيادة العرض على الطلب عند سعرٍ مُعين، ومن ثم تخفيض السعر لاجتذاب الطلب وتصريف فائض العرض، وبما أن السعر الجديد قد لا يُغطي نفقات الإنتاج، تحدث فترة كساد يميل خلالها معدل الربح إلى الانخفاض، ومع تكرار فترات الكساد تُواجه الرأسمالية أزمة نهائية تؤدي إلى ظهور الشيوعية (Communism)؛ وضع اجتماعي – سياسي جديد تمامًا.
على نحوٍ مماثل، تم تعريف الأزمة في مقاربة الفيلسوف الأمريكي توماس كون (Thomas Kuhn 1922 – 1996) للثورات العلمية التي تُشكل مجرى تاريخ العلم، فالتقدم العلمي يحدث مدفوعًا بالأزمات داخل النماذج الإرشادية السائدة. وبعبارة أخرى، يتم الانتقال من نموذج إرشادي (Paradigm) إلى آخر جديد من خلال أزمة، يعجز بمقتضاها النموذج السائد عن احتواء أو تفسير المزيد من الوقائع التجريبية، مما يُفسح الطريق أمام النموذج الجديد ليتقدم ممسكًا بدفة التوجيه الفكري للعلماء والباحثين، فإذا ما تم هذا الانتقال، كان ذلك بمثابة ثورة تقطع الصلة تمامًا بين النموذجين، أو بين المفاهيم النظرية الأساسية في العلم قبل الثورة وبعدها. وتُمثل حالة العيش في أزمة دائمة الانعكاس المُعاصر لمفهوم الأزمة عند كلٍ من ماركس وكون، فالتاريخ يقودنا دائمًا إلى أزمة نهائية، لكنها لا تحمل أية دلالة على مزيد من التقدم، فبدلًا من أن تؤدي الأزمة إلى شيء أفضل، تقودنا إلى موقفٍ ثابتٍ وصعب بشكلٍ دائم.
تعود جذور مفهوم حالة العيش في أزمة دائمة إلى نظرية الأنظمة المعاصرة (Contemporary Systems)، التي تدعي أن الأزمة يمكن أن تصبح معقدة للغاية فلا يمكننا التنبؤ بنتائجها. وفي هذا الصدد، يذهب الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (Edgar Morin من مواليد سنة 1921)، في كتابه المُعنون “عن التعقيد” (On Complexity 2008)، إلى أن البشرية تعيش الآن داخل شبكة من الأنظمة المتشابكة، وأن أية أزمة في أحد هذه الأنظمة ستولد أزمة في جميع الأنظمة الأخرى. ويستخدم موران كلمة تعددية الأزمات (Polycrisis) لوصف هذا الموقف، وهي فكرة مستخدمة أيضًا في أعمال المؤرخ الإنجليزي جون آدم توز (Adam Tooze من مواليد 1967) حول الأزمات والكوارث، إذ عبَّر عنها قائلًا: “عند النظر في التراكم الهائل للمشاكل التي يواجهها العالم حاليًا –من الصراع وأزمة المناخ إلى الوباء وزيادة التضخم– فإن الكل أخطر من مجموع أجزائه”. وبعبارة أخرى، يمكن للأنظمة الدقيقة المترابطة، بسبب حلقات التغذية الراجعة الإيجابية التي تتقلص باستمرار، أن تؤدي بسرعة كبيرة إلى حدوث أزمة، بل وكارثة، في النظام الكلي الأوسع! وهكذا، فالتحول من الأزمات المتعددة المتشابكة إلى الأزمة الدائمة يعني أننا نرى أزماتنا على أنها مواقف نعجز ليس فقط عن حلها، بل وعن إدارتها!
بهذا المعنى، تشير كلمة (Permacrisis) إلى أن كل قرار لتسريع موقف صعب بُغية تجاوزه والقفز إلى الجانب الآخر منه إنما يخاطر بشيء أسوأ بكثير. خذ مثلًا السقوط السريع لإدارة رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس (Liz Truss)، التي قدَّمت استقالتها بعد ستة شهور فقط من توليها مهام منصبها، إذ لم يؤد قرار حل الأزمة الاقتصادية بإجراء تخفيضات كبيرة في ضرائب الشركات، ثم الشروع بدلًا من ذلك في برنامج صعب للغاية لخفض الإنفاق العام، إلا إلى تفاقم الأزمة السياسية المدمرة، تلك التي أدت بسرعة كبيرة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الأصلية ودخول البلاد في حالة ركود اقتصادي قد تستمر إلى نهاية سنة 2023.
أخيرًا، لا تشير الأزمة الدائمة إلى فقدان الثقة في التقدم فحسب، بل تشير أيضًا إلى نمط من الواقعية الجديدة فيما يتعلق بما يمكن للناس التأقلم معه وتحقيقه. لقد أصبحت أزماتنا معقدة وعميقة الجذور إذ يمكنها أن تتجاوز قدرتنا على فهمها، وأي قرار لمعالجتها يخاطر بجعل الأمور أسوأ، وبالتالي مواجهة نتائج مُفزعة لا تتجسد فقط كمشكلة، وإنما أزمة دائمة يصعب تجاوزها!
مقالات ذات صلة:
دعوة للتساؤل والبحث عن المعرفة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا