
هل كتب الموريسكيون أعمالًا أدبية؟ قد يتصور بعضهم أن هذا السؤال يدخل في باب الترف العلمي، لكن من يطالع المخطوطات المحفوظة في المكتبة الوطنية بمدريد يجد أن الموريسكيين كتبوا أدبًا وإن لم يكن كثيرًا.
كتب الموريسكيون أحيانًا باللغة العربية، وأحيانًا أخرى باللغة الإسبانية، الغريب أنهم ابتكروا شيئًا جديدًا: لقد كتبوا الإسبانية بحروف عربية. تخيل مثلًا أن تكتب “هاو آر يو”. الموريسكيون فعلو شيئًا مشابهًا.
إذا أردنا الحقيقة فإن الاختراع لا ينبغي أن ينسب إلى الموريسكيين، بل إلى المدجنين. وإذا أردنا الدقة أكثر فإن المدجنين ليسوا أول من كتب لغة بحروف لغة أخرى (رأيت شخصيًا مخطوطة قبطية تفعل الشيء نفسه، لكن هذا موضوع آخر). الأدب المكتوب بهذه الطريقة يسمى الأدب الأعجمي أو “الألخميادو” كما يسميه بعض الباحثين.
يظن كثير من الناس أن الكتابة بالأعجمية إنما هي من عمل الموريسكيين، وهو خطأ شائع لأن لدينا مخطوطات كثيرة كتبها المدجنون (أي المسلمين المقيمين في مملكة مسيحية)، وهؤلاء كان من حقهم إقامة شعائرهم الإسلامية بحكم القانون وبموجب معاهدات التسليم.
قبيل سقوط غرناطة كان الجو العام يوحي بأن السقوط قادم لا محالة (دعك من المهرجين الذين يتحدثون عن خيانة أبى عبد الله الصغير، فالسقوط بدأ قبل أن يولد ذلك البائس). لذلك هاجر وجهاء المسلمين –ومنهم الفقهاء بطبيعة الحال– إلى بلاد إسلامية.
لا يجب أن ننسى أن فتوى الونشريسي كانت تحرم البقاء في بلد يحكمه المسيحيون، باعتبار أن الإقامة بهذا الشكل من شأنها تقوية العدو (انظر: أسنى المتاجر فيمن غلبه النصارى على وطنه ولم يهاجر).
بعد مرور عشرة أعوام على سقوط غرناطة –وليس قبل ذلك أبدًا– قرر ملك إسبانيا حظر إقامة الشعائر الإسلامية، ومعها كتب الفقه وغيرها من العلوم الإسلامية. كيف يتصرف الموريسكيون؟ بحثوا عن المخطوطات الأعجمية التي خلّفها المدجنون ينهلون منها، بالإضافة إلى تدوين مخطوطات أخرى من عملهم.
هل هناك فرق بين المجموعتين؟ طبعًا، فالمدجن كان بإمكانه أن يصلي في المسجد، ومن ثم كان يتحدث عن الأذان والإقامة، في حين أن الموريسكي كان يصلي في بيته، مع اتخاذ الحيطة حتى لا يباغته رقيب من محكمة التفتيش.
لذلك فالمخطوطات الموريسكية لا تتحدث أبدًا عن أذان، ولا عن صلاة العيد، بل كانت تعنى بالحد الأدنى من الشعائر. من حيث اسم المؤلف ربما تجد اسم المؤلف المدجن (لأنه كان يمارس نشاطًا مباحًا)، في حين أنك لا تجد أبدًا اسم مؤلف موريسكي: لأن كتابة مخطوطة تخص الشعائر الإسلامية كانت تعد سببا كافيًا لإعدامه حرقًا.
معظم الكتابات الموريسكية كتابات دينية، لذلك فإن مصطلح “أدب” مصطلح غير دالّ في معظم الأحيان. تعد الكتابات الموريسكية مؤشرًا على مستوى العلم بأمور الدين عند أولئك المسلمين. لا يستطيع أحد أن يتهمهم بالتقاعس عن أداء الواجبات الدينية، فقد ابتكروا الحيل حتى يتمكنوا من أداء شعائرهم، ورغم الجهود التي بذلوها كلها فإنهم كانوا يسألون الله أن يغفر لهم عجزهم عن أداء فريضة الحج، وعن النزوح إلى بلد إسلامي (طبقًا لرأي الونشريسي تعد الإقامة في بلد غلب عليه النصارى بمقام تقديم العون لهم في حروب الإسبان ضد شمال إفريقيا وتركيا).
المشكلة تكمن في شيء آخر: لم يكن الموريسكيون على دراية جيدة بفقه الأولويات. أرهقوا أنفسهم كثيرًا في وصف سجادة الصلاة، وخاطر بعضهم بحياته في سبيل الحصول على سجادة يصلي عليها. خلطوا خلطًا شديدًا بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، بل دمجوا عدة أحاديث في حديث واحد.
لاحظ أيضًا أن إسلام الموريسكيين قد اختلف عن الإسلام في بلادنا، من حيث إنهم تأثروا بالمسيحية: كان المسيحيون الإسبان يزعمون أن سانتياغو ينهض من قبره ليحارب المسلمين، فإذا تحقق النصر عاد إلى قبره. تقول المخطوطة الموريسكية إن علي بن أبى طالب كان يشترك في المعارك، فإذا ما تحقق النصر للمسلمين عاد إلى قبره. لاحظ أن الموريسكيين كانوا في عزلة عن العالم الإسلامي، وأن عدد الذين يفقهون أمور الدين كان يتناقص بمرور السنين.
أحلام الموريسكيين
للكاتب المسرحي الإسباني كالديرون دي لا باركا مسرحية رائعة، عنوانها “الحياة حلم”، ترجمها إلى العربية أستاذنا الدكتور صلاح فضل. في المسرحية بيت شهير يقول إن الأحلام تعكس أمنياتنا. وقد كانت للموريسكيين أمنية عزيزة، تتمثل في إنقاذهم من الوضع المأساوي الذي كانوا فيه.
كانوا يحتاجون إلى من يخلصهم، ولم تكن في العالم الإسلامي قوة قادرة على ذلك إلا الأتراك. كان الأتراك موجودين في الجزائر، وكانوا يرسلون سفنهم إلى سواحل فالنسيا، ويحملون عليها الموريسكيين القادرين على الوصول إلى الشاطئ.
لكن الأتراك كانوا يحاربون في جبهات متعددة، لا تقل أهمية عن الأندلس. مع ذلك، لم يفقد الموريسكيون أملهم في الأتراك، وقد تحولت الآمال إلى أحلام يراها الموريسكيون في منامهم. كان أحدهم يقص رؤياه على أقرانه، وكان بعضهم يبوح بذلك السر لجاره وصديقه المسيحي، وكان الموضوع يصل إلى السلطات.
كانت السلطات تعلم أن الأتراك لن يصلوا إلى إسبانيا، لكنها كانت تشيع الخوف من الأتراك، وتتهم الموريسكيين بالتعاون معهم، كل ذلك لأسباب سياسية، كما يوضح ماركيث بيانويبا. سينتهي الأمر بنفي الموريسكيين إلى شمال إفريقيا، وسيصل عدد منهم إلى بلاد أخرى، من بينها مصر.
مقالات ذات صلة:
الجزء الأول من المقال، الجزء الثاني من المقال
الجزء الثالث من المقال، الجزء الرابع من المقال
الجزء الخامس من المقال، الجزء السادس من المقال
الجزء السابع من المقال، الجزء الثامن من المقال
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا