مقالات

ماذا فعل طوفان الأقصى بإسرائيل؟

نتائج الدراسات والبحوث العلمية والتقارير الإعلامية عن تقييم آثار طوفان الأقصى على سمعة إسرائيل وقدراتها الآنية من منظور علم الاجتماع العسكري

أحدثت عملية طوفان الأقصى تحولًا جذريًا في صورة إسرائيل الأمنية، إذ كشفت هشاشة منظومتها الاستخباراتية والعملياتية، وأدت إلى تراجع ملحوظ في سمعتها الدولية وقدرتها على فرض الردع. كما عمّقت الانقسام الداخلي ودفعت نحو إعادة تقييم شاملة للعلاقات المدنية – العسكرية وللنظريات الأمنية الإسرائيلية التقليدية.

ويمثّل هجوم طوفان الأقصى حدثًا مفصليًا في تاريخ الأمن الإسرائيلي، ليس فقط بوصفه اختراقًا عملياتيًا، بل باعتباره صدمة اجتماعية مؤسسية أدت إلى إعادة تركيب العلاقة بين الجيش والمجتمع والدولة والحلفاء الخارجيين. ومن منظور علم الاجتماع العسكري، فإن تحليل الحدث يتجاوز الجوانب التقنية ليبحث في تآكل الشرعية، وتغيّر مكانة الجيش، ونظام التوقعات المتبادلة بين الدولة والمجتمع الدولي.

أولًا: تراجع السمعة الدولية والإقليمية لإسرائيل

1- انهيار سردية التفوّق الأمني

بنيت السمعة الإسرائيلية لعقود على قدرتها الاستباقية والاستخباراتية العالية. إلا أن طوفان الأقصى كشف فجوات عميقة في منظومة الإنذار المبكر والإدراك العملياتي، ما أدى إلى اهتزاز صورة إسرائيل كقوة ذات سيطرة محكمة على بيئتها الأمنية. وعليه، أعادت المؤسسات الدولية والإعلام العالمي النظر في فرضية التفوّق الأمني الإسرائيلي بعد أن أثبت الهجوم أن بنية الردع لم تكن صلبة كما تروّج إسرائيل.

2- تآكل الدعم الدبلوماسي

تضاعفت الضغوط الدولية في الحرب، خصوصًا مع ارتفاع الكلفة الإنسانية في غزة، ما أدى إلى تقليص مساحات الدعم السياسي لإسرائيل. كما ظهرت مواقف دولية أكثر علنية في انتقاد الأداء العسكري والسياسات الميدانية، مما مثّل تراجعًا في الغطاء الدولي الذي اعتمدت عليه إسرائيل في صراعات سابقة.

3- إعادة تموضع إقليمي

لم يؤدّ الحدث إلى خلق تحالفات جديدة لصالح إسرائيل، بل زاد من تردد بعض الأطراف الإقليمية في ربط مصالحها بأجندة أمنية تبدو أقل تماسكًا. كما أثّر على التفاعلات مع دول كانت تتجه نحو التطبيع، بسبب تنامي الشكوك بشأن قدرة إسرائيل على ضبط بيئتها الداخلية وحماية شركائها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثانيًا: التأثير على منظومة القدرات الأمنية والاستخباراتية

1- تآكل الردع وفعاليته

تشكل قيمة الردع ركنًا مركزيًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. لكن الهجوم أثبت أن الردع لا يعتمد على ترسانة السلاح فقط، بل على مصداقية المؤسسة الأمنية أمام الخصم والحلفاء والجمهور. ومع انكشاف الثغرات، تراجعت القدرة الإسرائيلية على فرض معادلة الخسائر غير المقبولة على خصومها.

2- خلل الثقافة التنظيمية في الاستخبارات

أظهرت الأحداث وجود اعتماد مفرط على التكنولوجيا على حساب التحليل البشري التقليدي. أدى ذلك إلى سوء تقدير المؤشرات، وظهور تحيزات معرفية داخل المؤسسات الاستخبارية، ما يشير إلى ضرورة مراجعة الثقافة المؤسسية، وأنماط القيادة، وآليات التقييم الداخلي.

3- ضعف الجاهزية العملياتية

كشفت الأحداث ضعفًا في التنسيق بين الوحدات وفي الجاهزية اللوجستية والاستجابة السريعة، ما فرض الحاجة لإعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة، وتطوير التدريب المشترك، وتحديث بروتوكولات الطوارئ.

ثالثًا: الانعكاسات على المجتمع الإسرائيلي والعلاقة المدنية –العسكرية

1- تراجع الثقة بالقيادة

تسببت الصدمة في أزمة ثقة داخلية، إذ تصاعدت المطالب بالمساءلة السياسية والعسكرية. وأدى غياب تحقيق رسمي مستقل لفترة طويلة إلى اتساع الفجوة بين الجمهور والمؤسسة العسكرية.

2- إعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والجيش

بعد الهجوم، أصبح الجيش تحت تدقيق اجتماعي غير مسبوق. وهذا يؤثر على مجالات مثل التجنيد الإجباري، وصورة الجيش بين الفئات المختلفة، وشرعية القرارات العسكرية. كما ظهرت أصوات تطالب بزيادة الرقابة المدنية المستقلة.

3- اتساع الانقسامات الاجتماعية

أعاد الحدث تنشيط خطوط الانقسام بين الشرائح الاجتماعية المختلفة –العلمانيين والمتدينين، اليهود الشرقيين والغربيين، أبناء المحيط مقابل المركز– مما يضع المؤسسة العسكرية في موقع تحتاج فيه إلى إدارة ضغوط اجتماعية متعارضة.

رابعًا: الآثار الاستراتيجية طويلة المدى

1-  إعادة التفكير في العقيدة الأمنية

فرضت الأحداث إعادة تقييم المثلث الأمني الإسرائيلي (الردع، الإنذار المبكر، الحسم العسكري). فقد أظهرت التطورات أن هذا المثلث لا يعمل بمعزل عن الحاضنة الاجتماعية والسياسية، وأن نجاحه مرتبط بإدارة المعرفة والشفافية والثقة أكثر من ارتباطه بالتقنيات العسكرية وحدها.

2- الحاجة إلى أدوات غير عسكرية لإدارة الأمن

أبرزت الأزمة أهمية أدوات مثل الدبلوماسية العامة، وإدارة السرد، والاقتصاد السياسي للأمن، خصوصًا في ظل الإدانات الدولية وارتفاع الكلفة الأخلاقية والسياسية.

خامسًا: توصيات من منظور علم الاجتماع العسكري

  1. إجراء تحقيق مستقل وشفاف لإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية.
  2. إصلاح الثقافة الاستخباراتية عبر تعزيز التفكير النقدي وتقليل الاعتماد الحصري على التكنولوجيا.
  3. إنشاء استراتيجية إعلامية دولية لإدارة السرد وتقليل الأضرار على السمعة.
  4. تعزيز الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية وإرساء آليات محاسبة مستقلة.
  5. تنويع أدوات الأمن القومي عبر دمج أدوات سياسية ومجتمعية ودبلوماسية لتخفيف الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.

خاتمة

يتجاوز تأثير طوفان الأقصى البعد العسكري التقليدي ليصل إلى جذور الشرعية الأمنية الإسرائيلية. فالحدث أعاد تشكيل موقع إسرائيل في النظام الدولي، ووسع دائرة الشك في قدرتها على إدارة المخاطر، وأجبر مؤسساتها على مراجعة عميقة لبنية الأمن القومي. ومن منظور علم الاجتماع العسكري، تكمن أهمية الحدث في كونه حوّل مشكلة أمنية إلى أزمة اجتماعية – مؤسسية تعيد صياغة علاقة إسرائيل بذاتها وبالعالم لسنوات قادمة.

مقالات ذات صلة:

الأدب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي

العربدة الأخيرة!

إسرائيل تخسر أكثر بكثير من الفلسطينين

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري