مقالات

عالم هلامي

كثيرا ما نجد خلافات جدلية بين مجموعة من الأشخاص كل منهما يتبنى رأي يخالف الآخر ويتوصلون جميعًا إلي أنه لا أحد مخطئ وكل لديه رأيه الذي توصل إليه إدراكه وتضيع الحقيقة، فشاهدنا مثلاً صعود بعض القضايا في ترندات الرأي العام علي مواقع التواصل الاجتماعي ونجد من يتفق؛

فيتضامن ومن يخالف فيندد إلي أن تذهب الأغلبية إلي نتيجة أن الحقائق ما هي إلا وجهات نظر واختلاف العقليات هو ما يمنح للناس الحرية للتعبير عن آرائهم فالحقيقة نسبية من وجهة نظر الأغلبية وهذا ما يصل بنا لكارثة لا يمكن تصور عواقبها.

فقضية المتحرش التي ثارت جدلاً وتبعها الشذوذ الجنسي وختمها السعي للسلام مع كيان محتل (الكيان الصهيوني) تحت مسمي تطبيع وحين يزيد الخلاف تُوجه أصابع الاتهام إلى النقاد بأنهم مجتمع ذكوري أو رجعي متخلف أو دكتاتوري لا يرتقي للحرية والديمقراطية وتطول تلك القائمة من الاتهامات التي في الحقيقة تجريحات بعيدة كل البعض عند النقاش في حقيقة الآراء نفسها وأدلتها التي تقوم عليها.

ولكن دعونا نضع مثالًا قد يظهر جزء من خطورة تلك النسبية الفكرية أو السيولة القيمية. لو كان ثلاثة أصدقاء يتحاورون عن شيء يبعد عنهم بضعة أمتار فاتفق اثنان منهم علي أن ذلك الشيء مثلاً لونه أسود، وأصر الثالث علي أن لونه كحلي غامق. هل آراؤهم تلك تلغي كون الشيء نفسه له طبيعة معينة في الواقع؟ وأن تلك الطبيعة ما تعلن صواب الآراء إن كانت تطابقها أو خطؤها إن اختلفت عنها،

فمثلا لكي نري من هو صاحب الرأي السليم سنحاول معرفة الواقع بالدليل كأن نري اللون الحقيقي لذلك الشيء وبمعرفته نعرف من هو صاحب الرأي السليم وتلك النتيجة طبعًا تعلن أنه هناك دائمًا حقيقة لما نتحدث عنه وتلك الحقيقة لا تمثلها الآراء؛ بل يمثلها الدليل الذي يعلن حقيقة وماهية الشيء المتحدث عنه بعينه بعيدًا عن الآراء الاستحسانية و الذوقية.

وهذا يأتي بنا لمثال افتراضي لوصف تلك الحالة، نفترضه أنه قد يقرّب الفكرة التي نريد طرحها؛ وهي أن جسم الإنسان لا يمكن أن يقوم بأي حركة أو يأخذ الشكل الطبيعي له بدون وجود الهيكل العظمي، وإلا فإن تخيلناه بدونه؛ سيكون أشبه بالهلام لا يستطيع الحركة أو تحريك أي جزء له أو لن يأخذ الشكل الطبيعي له.

وهنا يصبح شيء آخر؛ فالهيكل جزء أساسي من حقيقة الجسم الإنساني. وكذلك الواقع؛ فإن قمنا بنزع ثوابته وقوانينه التي يقوم عليها أصبح لا واقعيًا. فكيف يصبح الشيء المالح مثلاً حلوًا ومالحًا في آن واحد؟! أو كيف يصبح الشيء صوابًا وخطأ في نفس الآن وهذا محال عقلاً ؟!

وهو ما يصل بنا إلي أن نتيجة المعايير والمفاهيم الكلية لها حقيقة ثابتة؛ فلا يمكن أن نأخذ بآراء الأغلبية لنقوم بتحديد حقيقة الشيء وإنما نتبع الأدلة التي تعلن حقيقة الشيء نفسه وهو ما نقصده بقولنا؛

” إن الحقائق يكشفها الدليل المطابق للواقع والمقصود بالواقع هنا ليس الذي تدركه حواسنا فقط أو الذي تجتمع عليه الأغلبية بل إنه حقيقة الشيء المقصود نفسه كأن نختلف علي تقدير طول جدار معين؛ فلكي نري حقيقته يجب قياسه بوحدة القياس الطولية لنتمكن من كشف حقيقته بالدليل وهو في حالتنا تلك القياس الطولي له وآداته المتر” .

خطورة نسبية القيم وغياب المعايير الحاكمة في المجتمع:

لو افترضنا أن رب أسرة يقوم بوضع قوانين لأسرته ليضبط فيها طريقة المعاملات بما يضمن العدالة لأفرادها وعدم وقوع أي ظلم ، فتلك القوانين تكون عبارة عن قواعد تُرجع الأسرة لتحديد صواب سلوك معين أو خطئه ، فنجد أحد الأبناء ليس صاحب خلق قويم وآخر صاحب خلق سليم؛ صاحب الخلق السيء يجعله القانون مرغم علي تطبيق بنوده في حين أنه يريد أن يسعي لما ينفعه ماديًا وشهويًا حتي وإن نال حقوق غيره،

ولكن علي النقيض الأخ صاحب الخلق الحسن يحفظ له القانون حقه ويمنحه حرية التصرف فيما يملك بحرية ولا يشكل له أي عوائق. فيوم ما غاب رب الأسرة وغاب معه تطبيق القانون ، فطبعًا فرح الأخ السيء وحزن الأخ الحسن ومنذ حينها بدأت التعاملات تختلف فالسيء تبع منهج أن كل منهما حر يفعل ما يريده ولكن شرط أن لا يضر غيره، غير عابئ بماهية حقيقة الضرر ومن الذي يحددها.

فراح هو يحدد الضرر بنفسه وحسب مصلحته، فيمارس سلوكيات خاطئة ويعود ليقول تلك حرية شخصية فالكل يفعل ما يحلو له!! وذلك يثير تساؤلاً حتي وإن كان حقيقة ما يفعله خاطئ! ، حتمًا هو يلحق بهم الأثر لكونه جزء من تلك الأسرة، ولكن من يحاول منعه يتهمه بالتخلف والرجعية والدكتاتورية والتعدي علي الحريات وإن قسنا بمثالنا هذا أفراد المجتمع الواحد؛ سنعي أن العشوائية تحل والفساد ينتشر والدمار والخراب يكن هو نتيجة كل ذلك وخاتمته.

ما هي الحقائق الثابتة وما الفرق بينها وبين الآراء الاستحسانية والذوقية؟!

لو نظرنا إلي قاعدة رياضية تقول أنه 1+1=2 لا يمكن ان يختلف اثنان عاقلان علي تلك القاعدة وذلك لأنها في الحقيقة هي واقعية فوضع تفاحة مع أخري يوصلنا إلي تفاحتين وهذا ما يقره الدليل ويطابق الواقع. وتلك قواعد وقوانين واقعية تشكل لواقعنا ذاتياته وأساسياته وحقيقته وماهيته؛ وإلا لاختلط الأمر علي العقول ولأصبح الواقع لا فرق بينه وبين الوهم أو اللاواقع.

فحين يختلف اثنان علي أمر ما مثلا؛ لنخترِ القضية الفلسطينية مثالاً لنا ، فيدعي الأول أننا رجعيون ووحشيون وغير إنسانيين لأننا لا نريد السلام مع الكيان الصهيوني ويرد الأخر بأن لا يمكن التصالح مع كيان محتل لا يملك من الأساس حق لنمنحه إياه ونتصالح معه ويعد من يقوم بالسلام معه خائنًا.

دعونا لا نحكم علي صواب أي رأي منهما الآن. ولكن لنتفق علي أنه حتمًا وضروريًا أن يكون للشيء حقيقة واحدة فقط ومن ثم نذهب لنري حقيقة القضية نفسها وحينها نجد من هو الرأي السليم ومن هو الرأي الذي قد تم مغالطته أو يقوم هو بمغالطاتنا خلف شعارات إنسانية في ظاهرها ولكن لا نعي حقيقتها إلا حين نكشف حقيقة القضية نفسها.

فلسطين بلد عربية يعيش فيه أكثر من ديانة واحدة يهودية ، مسيحية ، إسلامية. يقوم كيان ما -لا أصل له ولا حق له- باغتصاب ونزع حق أصحاب تلك الأرض بالقوة. وتمر السنون ولكن تظل الحقيقة واحدة حتي وإن قام المحتل ببعض السلوكيات التي تظهر أنه سلمي؛ كأن يمد يده ليعقد سلامًا مع من حوله.

اعتقد هنا تكمن المغالطة كيف يتم عقد سلمٍ مع سارق في الحقيقة، كشخص أتي فانقض علي بيت جاري الذي هو مع ذلك أخي، وأخذ منه جزء كبير بالقوة هل يصح لي أن أعقد سلمًا معه ؟! هل من الحق أن أري ذلك وأسكت؟! هل لو فعلت أكون مسالمًا؟!

أم أكن خائنًا للحق حيث لم أنصفه وظللت طويلاً ساكتاً عن الباطل بل وأزيد الطينة بلة بأني أقر بأن السارق جار وأخ بعد مرور فترة من الزمن ويجب الصلح معه و مسالمته. حتمًا هنا إما أنني أبله غبي أو أنني نذل جبان لا أتمتع بأي قيم إنسانية خلقية كالعدل والحق والصدق والأمانة.

ختامًا

إن الواقع لا يقر فيه أيُّ عاقلٍ أن الحقائق الثابتة تكون نسبية وذلك بكل بساطة أنه كيف لعلم الفيزياء والكمياء والرياضيات والهندسة أن تقيم لنا أعمالاً واختراعات قائمة علي قوانين تلك العلوم الواقعية ونعود لنقول أنها وجهات نظر هل يختلف مهندسين علي قاعدة هندسية واحدة ؟! حتمًا… لا!

أو هل يتذوق شخصان شيئًا حلوًا فيقول الآخر بأنه مُر فنقبل أننا نحترم رأيه وهو حر ، الاحترام يتم بين البشر لا بين القيم و القوانين والحقائق كالصواب والخطأ؛ وهنا الواقع يعلن أن الشيء ذو حقيقة واحدة؛ مَن تطابق رأيه بالدليل علي أنه مثل الواقع فقد أصاب! ومن لم يتطابق مع الواقع فقد أخطأ.

اقرأ أيضأ:

الإنسان والمعايير المزدوجة

مدى تشكيل القيم والمبادئ الإنسانية لسلوك الفرد

 الأخلاق بين القيمة والقانون

اظهر المزيد

محمد سيد

عضو بفريق بالعقل نبدأ أسيوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى