مقالاتسارق ومسروقفن وأدب - مقالات

سارق ومسروق – الوجه الثاني والثلاثون

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

أورثه عناده حيال إعادة حق المسروق الأول _كي يطمئن البقية إن نجح هو في إقناعه بأنه قد تغير_ شعورا بالحزن، ليس عليه، إنما على نفسه، لأنه وللمرة الأولى، يبدو على باب ضعف حيال ضحاياه، لا سيما بعد أن صار هو نفسه ضحية للرجل الأريب، الذي كلما تذكر وجهه، نفخ في غيظ، وداس على ضروسه، وقال:

ـ جيت أصيده صادني.

التهام الطعام

يعرف هو _مما جرى له سابقا_ أن هذه الحالة تدفعه إلى التهام الطعام في شره، كأنه يأكل آخر زاده في الدنيا، ورغم علمه بضرر هذا على صحته التي لم تعد على ما يرام فإنه لا يستطيع التوقف، وكأنه يمضغ أكباد خصومه، ويسمع صراخهم، فتسري الراحة في أوصاله.

يعرف هو أن بين جوانجه طاقة عدوانية جبارة، طالما دفعته وهو هناك يضرب قدميه الثقيلتين في الرمل إلى الاعتداء على من يأتمرون بأمره، ليفرغ كل شحنة الغضب التي تجتاحه. الآن لا يستطيع فعل هذا، فلا أحد حوله يمكنه أن يتحمل صفعة أو بذاءة ما، لهذا لم يكن أمامه من سبيل سوى التهام الطعام.

كان يأكل بلا حساب، حتى تصور أنه قد خلق للطعام. في هذه الأيام نسي كل شيء، وكأنه قد تحول إلى كائن لا علاقة له بالعالم سوى ما يتذوقه، حتى أنه شعر ذات صباح أن بطنه ينتفخ، ولم تكن له مشكلة في هذا، فهو قد اعتاد أن يسمن ويهزل، لكن زوجته قالت له في السنوات الأخيرة:

ـ كان هذا في أيام شبابك، وقت أن كنت قادرا على حرق الدهون.

ولأنه يثق في رأيها، أو بمعنى أدق ينزل على أمرها، فقد استجاب لما طلبته، وخضغ ذات مساء لأشعة بالموجات فوق الصوتية على بطنه ، عند واحد من أقربائه الأطباء، لهذا كان لديه وقت كاف كي يحكي له كل ما يعتري معدته من مشكلات.

حوار مع الطبيب

قال له:

ـ كنت سليما حتى من أسبوعين فقط.

شرح له أن المرض يمكن أن يكون موجودا منذ زمن، وأن المريض يمكن أن يشعر به حين يتألم أو يصاب بحمى، ثم سأله:

ـ هل شعرت بألم أو حمى؟

أجاب واثقا:

ـ لا هذا ولا تلك.

تعجب الطبيب، ثم سأله من جديد:

ـ ما الذي دفعك إلى الحضور عندي؟

صمت قليلا، وقال:

ـ آكل كثيرا، ولا أشبع.

نظر إلى جسده الآخذ في البدانة، وقال:

ـ عموما الأشعة ستبين كل شيء.

كان ذهن الطبيب ذاهبا في كل اتجاه عرفه الطب، لكنه لم يكن يدري أن هناك ما هو أبعد من تصوره. إنه خوف ما، دفع مريضه إلى إحساس بأن شيئا يتكور في بطنه ، لم يكن ورما، إنما الأكاذيب.

وحين مرر الجهاز فوق بطنه ، سمع صوتا غريبا، لم يتبينه الطبيب، لكن المريض كان يعرفه جيدا، إنه غمغمة المسروق الأول التي جعلت وجهه يضمر ويزيد من شدة الغضب، حين التقاه قبل شهور، وحاول عبثا أن يثبت له أن ماله قد سُرق، وأن عليه أن يرده، لكنه تهرب منه، ولم يعدم يومها من اختلاق حيلة، سرعان ما كشفتها الأيام اللاحقة.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع، الوجه الخامس، الوجه السادس

الوجه السابع، الوجه الثامن، الوجه التاسع ، الوجه العاشر، الوجه الحادي عشر، الوجه الثاني عشر

الوجه الثالث عشر، الوجه الرابع عشر، الوجه الخامس عشر، الوجه السادس عشر، الوجه السابع عشر

الوجه الثامن عشر، الوجه التاسع عشر، الوجه العشرون، الوجه الحادي والعشرون، الوجه الثاني والعشرون

الوجه الثالث والعشرون، الوجه الرابع والعشرون،الوجه الخامس والعشرون، الوجه السادس والعشرون

الوجه السابع والعشرون، الوجه الثامن والعشرون، الوجه التاسع والعشرون، الوجه الثلاثون، الوجه الحادي والثلاثون

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري

مقالات ذات صلة