سارق ومسروقفن وأدب - مقالاتمقالات

سارق ومسروق – الوجه الثامن والعشرون

أربعون وجها للص واحد "متتالية قصصية"

أدرك السارق أن المشكلة تكمن في عناده، فوجوه المسروقين تطارده، وكل من لجأ إليهم ليجعلوه يتقي هذا لم يفلحوا في إنقاذه، فكان عليه أن يفكر في طريق مختلفة. وسأل نفسه في هذه اللحظة:

ـ أيمكن أن أذهب إلى المسروقين وأطلب منهم الغفران؟

هز رأسه حتى تسقط الفكرة منها.

وعاد سؤال آخر:

ـ هل يمكن أن أعيد إليهم ما سرقته؟

ووصل السؤال إلى زميل له، اعتاد السرقة هو الآخر في زمن صار لأمثاله، فقال له:

ـ لا تخيب، فنحن لا نسرق.

قهقه في وجهه، وقال:

ـ أنت تعرف من نحن؟!

رد عليه:

ـ ما أخذناه ليس سرقة، فكل شيء لنا، ومن يأخذ قليلا مما له لا يعد سارقا أبدا.

ابتسم وقال:

ـ لكن أغلبنا ذهبوا إلى البيوت، وجلسوا على المقاهي، يعيشون على الكفاف الذي يحيا عليه بقية الناس.

قهقه، وقال له:

ـ هؤلاء لم يكن لديهم طموح.

ابتسم وقال له بصوت مرتعش:

ـ لكننا كنا نعرف أن منهم من كان طموحه يلمس النجوم.

زادت قهقهته، وقال له:

ـ طموحهم كان في الترقي هناك فوق الرمل والصخر، أو على المكاتب التي تقف قوائمها على أرض واحدة صارمة.

لكنه قال له، مغالبا طمعه:

ـ تعرف أن ما كانوا يأملونه هو الأصدق.

كاد أن يغلق السماعة في وجهه، لكنه تمالك نفسه، وقال له:

ـ مثل هذا الكلام يقوله غيرك.

امتقع وجهه، وسأله:

ـ لم؟

اهتزت السماعة بقهقهة شديدة:

ـ أنت تعرف أنك لست من هؤلاء الذين تجردوا، وأخلصوا لمهمتهم التي تدربوا عليها فقط.

ولأن هذه هي الحقيقة، لم يجد كلاما سوى أن يقول له:

ـ الطبع يغلب التطبع!

لم يكن في هذه يقول الحقيقة كاملة، فبعض ما تطبع عليه، يأخذه في الطريق التي سلكها، لكن لم يكن أمامه من سبيل سوى أن يكذب، دون أن يشعر بأي أذى، فهو اعتاد هذا، بلا حد!

لكنه كان في حاجة إلى أن يضع كذبته في مكانها ضمن ما درج عليه، دون أن يعنيه التفكير في ما إذا كان الذي أمامه سيصدقه.

وحين كان يجد نفسه يهتز بين كل هذه التناقضات، يهرول إلي الحمام، ويقف أمام المرآة، ويقول:

ـ موقفي سليم… أنا لا أخطئ!

لكن كل هذا كان يتساقط تحت قدميه على “القيشاني البارد” وهو يهم للخروج، مدركا أن كل ما فعله كان قشا يابسا في وهج الظهيرة اشتعلت فيه نار موقدة.

اقرأ أيضاً:

الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع

الوجه الخامس، الوجه السادس، الوجه السابع، الوجه الثامن

الوجه التاسع ، الوجه العاشر، الوجه الحادي عشر،الوجه الثاني عشر

الوجه الثالث عشر، الوجه الرابع عشر، الوجه الخامس عشر

الوجه السادس عشر، الوجه السابع عشر، الوجه الثامن عشر

الوجه التاسع عشر، الوجه العشرون، الوجه الحادي والعشرون

الوجه الثاني والعشرون، الوجه الثالث والعشرون، الوجه الرابع والعشرون

الوجه الخامس والعشرون، الوجه السادس والعشرون، الوجه السابع والعشرون

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري

مقالات ذات صلة