فن وأدب - مقالاتمقالات

رواية صمت البحر

لون مختلف من الأدب

كما أن للبحر حالتين وبينهما حالة، فهو إما هائج وإما هادئ أو بين هذا وذاك، فكذلك الشعوب تكون في حالة ثورة أو حالة سكون أو بين الحالتين، فيما يسمى بمرحلة القلق أو التوتر.

بهذا يكون معنى الاسم في رواية “صمت البحر” للفرنسي جان مارسيل برولير: حالة السكون، لكن لأنه شبهها بصمت البحر فالسكون أو الاستسلام هنا استسلام مؤقت، أو أن له معنًى أعمق من مجرد الاستسلام، فالبحر لا يستقر على حال واحدة أبدًا ولا يمكن أن يبقى صامتًا بشكل دائم، وبناء عليه فإن الصمت أو السكون أو الاستسلام يكون ظاهريًا دون أن يعبر عما بداخل الأعماق.

رغم أن الرواية قديمة صدرت عام 1942 إلا أنها إنسانية ورمزية لدرجة تجعلها رواية لكل زمان، هذا بالإضافة لكونها من روايات أدب المقاومة، والمقاومة رغبة إنسانية غريزية غير محدودة بزمان، هذا مع أن مصطلح أدب المقاومة تحديدًا لم يكن قد ظهر للوجود وقت كتابتها، بل ظهر بعد ذلك بنحو ست سنوات عندما وضعه الأديب الفلسطيني غسان كنفاني ليصف الأدب الفلسطيني بعد نكبة 1948، ولأن المقاومة تتخطى حدود الزمان والمكان فإن رواية صمت البحر ما زالت باقية، خصوصًا أن فكرتها متميزة وإحساسها مبتكر.

في عام صدورها كانت فرنسا تحت الاحتلال الألماني ولهذا نشرها كاتبها الفرنسي برولير باسم مستعار: “فيركور”، وكانت كتابته لها في حد ذاتها قصة درامية، فقد أصيب الكاتب نفسه في الحرب حتى صار طريح الفراش، لكنه بدلًا من أن يستسلم لإحساس العجز قرر أن يكتب ليعبر عن مشاعره تجاه ما يواجهه الوطن حتى ولو كتب بمعدل ضئيل، وهو ما حدث، إذ كان لظروف الإصابة يكتب صفحتين فقط في كل يوم، لكنه أنجز في النهاية روايته الجميلة الخالدة، لم يكتبها وهو حر في اختيار الموضوع بقدر ما فرضت عليه الظروف موضوعًا واحدًا بديهيًا “ردة الفعل تجاه الغزو وكيف تكون؟”.

كان عليه أن يستخدم الرمز بديلًا للأسلوب الصريح وهو يصف فظائع الغزو الألماني لبلاده، وإلا فإن الرواية لن ترى النور، ولعل هذا أهم تحد واجهه وهو يكتب.

استخدم الكاتب للرواية بيئة مبسطة لترمز لحالة الوطن، هي مجرد بيت يعيش فيه رجل مسن مع ابنة أخيه في حياة هادئة لا يعكر صفوها شيء، في نوع من التعبير عن السلام والهدوء الذي كان يحياه الشعب الفرنسي قبل الاحتلال.

كان الرجل يشرب قهوته في مواعيد محددة ويدخن غليونه وهو يقرأ وكانت هي تقرأ أو تمارس الخياطة، ويسمعان الموسيقى، إلى أن يقتحم البيت ضابط ألماني، فقد اعتاد الألمان في حروبهم أن يسكنوا بيوت المدنيين بالإكراه، ومع أن الضابط كان –مع ذلك– مهذبًا وإنسانيًا وكان يحاول تهدئة خاطر الفتاة وعمها بشتى الطرق واصفًا نفسه بالضيف، إلا أنهما لم يرحبا به، وقرر صاحب البيت أن يفرض على نفسه وعلى ابنة أخيه أن يواجها ذلك المقتحم بالصمت، فلا ينطقان كلمة ولا يردان على سؤال يسأله تعبيرًا منهما عن الرفض، لقد كان الصمت أسلوبهما في المقاومة فهل يكتب لهذا الأسلوب النجاح؟

مع أن المؤلف مواطن فرنسي منزعج بطبيعة الحال من الاحتلال العسكري لبلاده إلا أنه تمسك بالحياد في تناول شخصية المحتل، الحياد بمعناه الإنساني، ففرنسا لو كانت هي التي انتصرت في تلك الحرب لكانت هي الآن الطرف المحتل، فكيف كان سينظر المواطن الألماني إلى المحتل الفرنسي؟

لهذا تمسك الكاتب بالحياد، وبالفعل سرعان ما يكتشف العم وابنة أخيه أن الضابط الألماني، وبعيدًا عما فرضته متطلبات الغزو من الإقامة معهما بالإجبار، شخص إنساني النزعة، بل وعاطفي ومثقف ومتحضر، يعشق موسيقى باخ وبيتهوفن ويقرأ بوَلَهٍ شديد لكل كتاب فرنسا الكبار، ويمجد الثقافة والحضارة الفرنسية ويحب العيش في فرنسا أكثر من حبه للعيش في ألمانيا، ويغلف شخصيته حزن دفين يعبر عن كراهيته لهذه الحرب، رغم كونه ضابطًا ألمانيًا يشارك فيها.

ثم أنه وقع في غرام الفتاة، ورغم محاولته المستمرة في إخفاء مشاعره تجاهها لكن “الصب تفضحه عيونه”، فكان من السهل أن تكتشف الفتاة وعمها ذلك، ولعلك استطعت الآن أن تستنتج لماذا نجحت هذه الرواية، لأنها ببساطة استطاعت أن تتخطى حدود الصراع العسكري والتعصب القومي الضيق إلى آفاق إنسانية مجردة، وليس من قبيل المصادفة أن يتجاهل الكاتب وضع أسماء للشخصيات الفرنسية في الرواية، بينما اهتم بوضع اسم للضابط الألماني، كأنه يريد أن يقول للقارئ إنه في هذه القصة يضع شخصية الألماني تحت الميكرسكوب، ليفحصها ويدرسها محاولًا أن يفسرها، وذلك في محاولته لأن يفسر كيف تحدث الحرب نفسها بين الناس وهم في النهاية أخوة في الإنسانية ومتشابهون في الظروف وفي المشاعر والأحاسيس والأفراح والأحزان.

لقد صارت جلسة الضابط معهما كل مساء شبه روتينية، كان يتحدث في الفن والثقافة والحرب والفلسفة والشعر دون أن ينتظر منهما مشاركته بالكلام، إذ لاذا بالصمت العنيد، حتى بدأ العم وابنة أخيه بالتدريج في الاستمتاع بهذه الجلسات، التي كان يختمها الضابط المهذب كل ليلة بكلمة “أتمنى لكما ليلة سعيدة”، وعندما قرر الضابط الألماني السفر إلى باريس التى يعشقها ليستمتع بالبقاء فيها لعدة أيام قال لهما: “عليّ أن أخبر مضيفيّ أنني سأتغيب لمدة أسبوعين، إن البهجة تغمرني بذهابي إلى فرنسا. لقد أتى الآن دوري في الإجازة وسأقضيها في باريس، أتمنى لكما ليلة سعيدة”.

فجأة سنجد أن إحساسًا غريبًا قد انتاب العم وابنة أخيه، وإن لم يفصحا عنه. إذ ستندهش الفتاة وكذلك عمها من الإحساس بافتقاد الرجل وإن خجل كل منهما عن الإفصاح عن ذلك للآخر.

لدرجة قول العم: “إن هذا الغياب قد حرمني هدوء نفسي، كنت أفكر فيه، لم نتحدث عنه، لا ابنة أخي ولا أنا، لكن من بعض الخطوط الخفيفة التي كانت تطبع على وجهها تعبيرًا عنيدًا ومنتبهًا في آن واحد، رأيت أنها أيضًا لم تكن خالية الذهن من أفكار مشابهة لتك التي تشغلني”.

لقد تعمد العم وابنة أخيه أن يقاوما المحتل بالصمت فنجح هو ودون أن يتعمد في تبديل مشاعرهما نحوه، ليكتشف الجميع أن الحرب تصنعها شياطين الكراهية وأطماع المجد والتوسع وتسقط في فخها الشعوب.

وهكذا تفاجئ هذه الرواية القارئ بامتناعها عن تأجيج إحساس المقاومة التقليدية، مستخدمة أسلوبًا آخر يتناول قضية السلام لا الحرب، وهي الرسالة الأصلية للإنسانية.

اقرأ أيضاً: 

رواية تتخيل مبارة كرة قدم بين مصر وإسرائيل

الإنسانية تقتضي المقاومة

رواية “أجراس الخوف”

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ . شامخ الشندويلى

الشاعر والكاتب والسيناريست المعروف