مقالات

الحدث الذي جاء من الزمان كله .. ليغير المكان كله!

يمثل الصراع القائم الآن في “غزة” أهم مراحل الصراع بين الشرق والغرب وأخطرها، بعد الهجمة الاستعمارية الأخيرة له على “عالم الإسلام” في الفترة من 1840 إلى 1945م، مائة سنة تقريبًا، التي انتهت بوضع الشرق الإسلامي في القبضة الحديدية للـ”الدولة القُطرية”، التي جاءت بتنسيق وترتيب ودعم غربي كامل، صعودًا على كل سلالم الدناءة والمؤامرة.

 السياسة الاستعمارية في تفكيك العرب

وبغض الطرف عن الحديث بشأن تفاصيل ذلك كله، إلا أن النتائج النهائية التي تكونت في أوطاننا على مستوى الاستراتيجي الشامل “الإنسان والفكرة و الحضارة” تقر وتشهد بذلك، فقد ضاع تقريبًا كل شيء!

وضع هذا المثلث أمام عينيك “الانسان والفكرة والحضارة”.

سواء تذكرت في تذكرك هذا: مالك بن نبي “الإسلامي” أو تذكرت جمال حمدان “العلماني”، أو تذكرت إدوارد سعيد “المسيحي” أو تذكرت عبد الوهاب المسيرى “الوسطي”، ستجد أنهم بذلوا جهدهم كله، وأفنوا عمرهم كله، في تنبيه أمتهم وشعوبهم وقادتهم بحجم الخطر الذي يحاصر المكان كله، في الوقت كله، من لؤم اللئام في الغرب، ولدينا أيضًا، أنهم عملوا بقوة على “تقطيع وتجزيء” التاريخ، تاريخنا!

وأصبح على كل جيل يأتي أن يتأمل القطعة التي اقتطعوها له، تمسكها يده يقلبها ظهرًا لبطن ويمضغها ويفعصها ويلغو بها لغوًا لغيغًا.

ثم يموت ليفسح المكان والزمان لمن يأتي بعده، الذي سيتسلم قطعة جديدة من “صينية التاريخ”، التي سيحرم من النظر فيها كلها مرة واحدة بحيل الأحاييل كلها وخدع الأخاديع كلها، ثم يأخذ دوره في تأملها والنظر فيها واللغو عليها وعلينا، وهكذا دواليك.

بعضهم ستأخذه أوهامه بعيدًا مثل ذاك “التنويري” الفخوم الذي قال لنفسه ذات ليلة “ليه لأ؟”. فقرر أن يكتب كتابًا عن “نقد العقل العربي”، لكن حظه السعيد جعله يهدي الكتاب إلى الراحل أنيس منصور، الذي لم تتحمل أعصابه هذا اللغو فقال في تعليقه على الكتاب ما قال.

وبالمناسبة أصدقاؤنا التنويريون والتنويريات الأحياء منهم والأموات، كلهم تقريبًا لديهم أوهام عن “ذاتهم العقلية”، تمنحهم قدرة مدهشة على نقد الجاحظ والشافعي وجوته وتولستوي وهوجو في “قعدة واحدة” ومن أول نَفَس، بل وإظهار نقاط الضعف المهولة كلها فيما تركوه لنا وللإنسانية.

مشروع محمد علي باشا

لماذا كانت السنة 1840م بداية تلك المائة سنة المجزأة تجزيئًا لئيمًا؟

سيقول لنا الأستاذ هيكل رحمه الله: إنه كان فيها نهاية المشروع الكبير الذي بدأه محمد علي باشا، لإحياء مجد الإمبراطورية العثمانية من داخلها.

لكنه لم يزد على ذلك في قوله، لضرورات طموحه المهني، ولأن هذه الفترة “الستينيات” كانت فيها الأوهام في أعلى درجات السخونة، فكان لازم كله يسخن، وبقبضة من هواء وخيبة من رجاء، سيظل يسخن ويسخن.

لكننا سنعرف أن”بالمرستون” وزير خارجية إنجلترا 1835م قال لقادة روسيا والنمسا وفرنسا قبلها: يجب علينا أن نوقف “نابليون المسلم” عند حده. كان يقصد الباشا الذي كان جيشه في الشام والأناضول، وعلى أبواب الأستانة للترتيب مع النخبة العثمانية لعزل السلطان محمود المخدوع من روسيا وإنجلترا، وضخ الدماء الجديدة في “الخلافة الإسلامية”، حتى لا يحاكمه تاريخ العالم الإسلامي، بتركها للتحلل والانهيار الذاتي كما كانت تنتظر أوروبا.

تعبير “نابليون المسلم” ذكره الكاتب الفرنسي جيلبرت سينويه في كتابه الهام “الفرعون الأخير/ محمد علي”، ووضع سطرًا بالغ الأهمية في مقدمة الكتاب، قاله محمد علي باشا: “لن أتحمل أبدًا بأن تصير مصر إنجليزية وتركيا روسية”.

لكن د/ خالد فهمي المؤرخ والأكاديمي الذي ينتمي إلى مدرسة التاريخ المجزأ، له آراء مختلفة عن مشروع محمد علي باشا، وله أيضًا آراء مثيرة في هزيمة 1967م، وسنكتشف ببساطة متناهية أنه متأثر بالمدرسة الغربية في النظر إلى الشرق المسلم، وستكون عدسة الرائع “إدوارد سعيد” كاشفة للغاية في كتابه الأروع “الثقافة والإمبريالية”.

التسلسل التاريخي لاحتلال فلسطين

انتهت تجربة “المغامر العبقري” بالإخفاق، كما وصفه الشاعر الفرنسي الكبير “لامارتين” وتحقق أحد مخاوفه، ودخل الإنجليز مصر.

وبعد 42 سنة ستصبح “مصر إنجليزية”، وبعد 35 سنة سيدخل اللورد اللنبي القدس في يونيو 1917م، وبعد 5 شهور فقط سيصدر “وعد”من أحد أشد كارهي اليهود في الدنيا كلها “آرثر بلفور”.

وبعد 30 سنة سيعلن الغرب عن إنشائه لدولة تحمي مصالحه واستراتيجياته في الشرق المسلم في قلب القلوب، “فلسطين”، وأسموها “إسرائيل” للديباجة الدينية ودغدغة لمشاعر العالم بعد محرقتهم في أوروبا.

19 سنة فقط وستتمدد تلك الدولة بسهولة سهيلة للغاية، بطول وعرض جغرافيا الشرق، وكرامته، وكرامة قادته ومفكريه ومثقفيه وساسته وإصلاحييه الذين اختلطت عليهم الطرق والدروب.

سنرى بعدها “شارون” وهو يضع “البيريه” في عروة “الكتافة” ويسير مشطوحًا يديه للأمام والخلف في شوارع غزة وعند الدفرسوار. وبعدها سنرى “إيهود باراك” يظهر بالمظهر نفسه والمشية نفسها في شوارع بيروت”1982م”.

سيسخر التاريخ منهما بعد قليل، إذ سنرى بعدها “شابًا” من غزة يضع ساقًا على ساق، ويشرب شاي ويصطاد دبابة ميركافا بصاروخه، ثم يعود ليرتشف رشفة ثانية ريثما يجد ميركافا أخرى!

ليس هذا فقط بل سنسمع نجل شارون يقول عن”مجاهدى القسام”، إنهم لا يخافوننا فقط، إنهم يحتقروننا!

تنظيم المقاومة الفلسطينية

لكن بعد عشر سنوات أخرى سيمشي الجميع أجمعين “عربًا وعجمًا” إلى مدريد 1992م، لماذا؟ لأنهم كانوا يتحسبون لمجيء هذا “الشاب”، الذي يضع ساقًا على ساق، ويضرب رمز قوتهم “الميركافا”، عربة الرب كما يسمونها. لكنه جاء!

كانت المعلومات المخابراتية من الدنيا كلها تقول إن أطفال الحجارة “انتفاضة 1987م” بدأوا في إنشاء “تنظيم”. وسمعهم البعض وهم يرددون مفردات وتعبيرات تتصل بالقرآن والجهاد، حتى أن بعضهم يقول “اللهم أحيني على معرفتك وأمتني على الشهادة في سبيلك”، يحيا على معرفة الله؟ ويموت في سبيل الله؟

ذاك صوت دفناه في أعمق الأعماق من سنين السنين، ما الذي كان يفعله الرئيس الأمريكي روزفلت على الباخرة كوينسي سنة 1945م في الشرق الأوسط “البحيرات المرة” بعد أن تسلم المفتاح من بريطانيا؟

لقد عمل طويلًا هو ورجاله المخابراتيون، “عشر سنوات تقريبًا” لمنع ذلك كله، وغلق أبواب ذلك كلها، قطعًا للعلاقة بين الأمة ومصادر قوتها. ماذا كانت تفعله الدولة القطرية وقبضتها الحديدية طوال هذه السنين؟

المقاومة تواجه الغرب الباغي

لكن أحدهم، كان هناك ذات يوم عندهم، مكث لديهم ومعهم وبينهم، 23 سنة في السجن، شاب عشريني درس اللغة العربية وآدابها وله حضور روحي بالغ التأثير، وبمشيئة الكبير المتعال رب العالمين، وبتدبيره خرج من السجن.

وبعد 12 عامًا من خروجه، قرر أن يواجه هذا الغرب العتيد الباغي الظلوم، في أحد أهم حصونه ومواقعه وأخطرها “دولة إسرائيل”.

في الحرب نموت وبلا حرب نموت، فليكن إذًا موتنا موت المقربين، الذين ليس بينهم وبين الله إلا روح وريحان.

وقسمًا بمن يمسك السموات والأرض، وله ما في السموات والأرض، وله ما بين السموات والأرض، لينصرنهم رب السموات والأرض، وليمكنن لهم ولنا، وليجعلنهم راية مرفوعة عاليًا، على رأس الدنيا كلها، بشرى وكرامة، لكل حر كريم.

مقالات ذات صلة:

مين اللي باع أرض فلسطين لليهود؟

ما هو الاستعمار، وما هي دوافعه؟

العدل والقانون والخرافات!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول