العودة إلى الحياة “نبوءة سلستين” لجيمس ردفيلد ترجمة نيفين الجمل (Neveen El-Gamal)
المعالج النفسي الذي طبع روايته بنفسه بعد أن رفضتها دور النشر ويوزعها من صندوق سيارته فتتحول مخطوطة متخيلة عن تسع بصائر إلى ظاهرة ثقافية عالمية تقول إن المصادفات رسائل والطاقة حقيقة ويكتشف القارئ المتأمل أن أخطر ما فيها ليس ما تقوله بل ما تتجاهله الرجل الذي ترك عيادته المليئة بأطفال حطمهم الكبار ليكتب نبوءة عن صحوة كونية.. فباع منها ملايين وكشف بغير قصد عن جوع جيل كامل وعن ظلال استعمارية لم ينتبه إليها

البداية: غرفة خافتة الضوء وقلق ألفية توشك أن تنتهي
تخيل أنك تجلس في غرفة خافتة الضوء في مطلع التسعينيات، العالم يتهيأ لوداع ألفية كاملة، في الهواء رائحة قلق وجودي، الاتحاد السوفيتي انهار، والرأسمالية انتصرت، والأسواق ممتلئة، والأرواح خاوية.
وفي هذه اللحظة بالذات يظهر كتاب صغير يحمل عنوانًا غريبًا على رواية: (The Celestine Prophecy: An Adventure)، عرف عربيًا باسم “العودة إلى الحياة: نبوءة سلستين”.
لم يكن كتابًا بالمعنى المألوف، لا هو رواية خالصة، ولا هو كتاب تنمية ذاتية صريح، ولا أطروحة فلسفية، إنه شيء هجين يشبه المخطوطات القديمة التي يدور بشأنها: نص يدعي أنه يحمل مفتاحًا، ولا يهم إن كان المفتاح حقيقيًا، المهم أنك ستقلب الصفحات بحثًا عنه.
وسأقولها منذ البداية بصراحة قد تفاجئ من ينتظر مديحًا: هذا ليس عملًا أدبيًا عظيمًا، نثره بسيط وأحيانًا مباشر أكثر مما ينبغي، وشخصياته أقرب إلى لافتات ترشد القارئ، لكن الكتب لا تستحق التأمل بجمال جملها وحده، وهذا الكتاب ظاهرة تستحق أن نقف أمامها لأنه يجيب عن سؤال أهم من سؤال الجودة: لماذا أراد ملايين البشر أن يسمعوا هذا الكلام بالذات، في تلك اللحظة بالذات؟
الرجل قبل الكتاب: ابن كنيسة ميثودية يبحث عن المقدس
ولد جيمس ردفيلد في التاسع عشر من مارس سنة 1950 في ريف قريب من برمنغهام بولاية ألاباما، نشأ في كنيسة ميثودية، وهي كنيسة دافئة كما يصفها، لكنها لم تجب عن السؤال الذي كان يؤرقه: ما طبيعة التجربة الروحية نفسها؟ كيف يبدو الإحساس بالمقدس حين يقع فعلًا؟
درس علم الاجتماع في جامعة أوبورن، وقرأ في تلك السنوات عن الطاوية والزن والبوذية، ثم حصل على ماجستير في الإرشاد النفسي، وعمل نحو خمسة عشر عامًا معالجًا للمراهقين الذين تعرضوا لسوء المعاملة.
توقف عند هذه السنوات، فهي مفتاح الكتاب، رجل يجلس كل يوم أمام أطفال حطمهم الكبار، يسمع الضرب والإهمال والخذلان، ويبحث بصدق عن أي تفسير يجعل حياتهم محتملة، ثم يقرر سنة 1989 أن يترك كل ذلك ليكتب.
هل كانت “نبوءة سلستين” ردّ فعل على تلك السنوات؟ أظن أنها كذلك، هي عالم يتمناه رجل أنهكه الألم الذي بلا معنى: عالم تكون فيه كل مصادفة إشارة، وكل جرح درسًا، وحتى المعتدي جزءًا من دورة يمكن فهمها وتجاوزها، وهذه رغبة إنسانية تمامًا: ألا يذهب الألم هباءً.
كتاب في صندوق سيارة
حين انتهى من كتابه رفضته دور النشر، فقرر أن يطبعه على نفقته: ثلاثة آلاف نسخة تقريبًا، وحمل هو وزوجته سالي النسخ في صندوق سيارتهما وطافا على المكتبات الصغيرة يعرضانها، ويوزعان بعضها بلا مقابل.
لم تكن لديه حملة إعلانية ولا اسم ولا ناشر، كان لديه شيء واحد: كلام الناس، فقد قرأه من قرأه وقال لأصدقائه: اقرؤوه، وانتشر كما تنتشر الأدعية والأسرار، ثم اشترت إحدى كبريات دور النشر حقوقه بمبلغ ضخم بمقاييس زمنه، واعتلى قوائم الأكثر مبيعًا أكثر من مئة وستين أسبوعًا، ووصلت مبيعاته، بحسب ما يتردد، إلى عشرات الملايين، وترجم إلى عشرات اللغات.
والأرقام تتفاوت بحسب المصادر، لكن الأكيد أنها قصة من أنجح قصص النشر الذاتي في التاريخ، وأنها تحققت بقوة أمر واحد: أن الكتاب لمس شيئًا في القراء لم يلمسه غيره.
أمريكا التسعينيات: بلد مزدهر وروح جائعة
لا يفهم النجاح خارج لحظته، جيل نشأ على صدمة فيتنام وفضائح السلطة، ثم وجد نفسه في عالم يعده بسلام لم يأت كما وعد، الاقتصاد يزدهر والروح تجوع، الكنيسة فقدت جزءًا من سلطتها على الأسئلة الكبرى، والعلم أعطى إجابات تقنية ولم يعط معنى.
في هذه الفجوة ازدهرت حركة “العصر الجديد”، التي بدأت في الستينيات ثقافة مضادة ثم صارت دينًا شعبيًا واسع الانتشار، يمزج البوذية بالمسيحية بالطاقة الكونية بعلم النفس، وجاء كتاب ردفيلد ابنًا شرعيًا لهذا الخليط، لكنه تفوق على إخوته لأنه ظهر في وقته تمامًا: سنة 1993، على أعتاب الألفية الجديدة، حين كان الناس يبحثون عن نبوءات وإشارات وأي دليل على أن العالم ليس آلة صماء.
ولاحظ حيلته الذكية، لا يطلب منك أن تفعل شيئًا جديدًا، يقول لك إن ما يحدث لك أصلًا، تلك المصادفات الصغيرة التي تمر بك وتتجاهلها، جزء من مخطط أكبر، وهذه فكرة يصعب أن تقاومها، لأنها تمنح الحياة العادية معنى دون أن تطلب ثمنًا.
الحكاية: رحلة إلى أدغال بيرو
يبدأ الكتاب ببساطة، راوٍ بلا اسم يلتقي صدفة بصديقة قديمة تدعى شارلين، فتخبره عن مخطوطة قديمة اكتُشِفت في بيرو، يعود تاريخها إلى نحو ستمئة سنة قبل الميلاد، وتحتوي على تسع “بصائر” تتنبأ بتحول روحي جماعي وشيك، يتردد ثم يقرر السفر.
في بيرو تتعقد الأمور، قوى حكومية وكنسية تريد إخفاء المخطوطة وتطارد من يبحث عنها، فيصير الراوي هاربًا يتنقل بين البلدات والغابات، يلتقي في كل محطة بمن يشرح له بصيرة جديدة، في سلسلة من المصادفات “الدالة” تؤكد له أنه على الطريق الصحيح.
النبوءات
الأولى: المصادفات ليست عبثًا، وحين ينتبه إليها الناس يبدأ شيء جديد في الظهور.
الثانية: التاريخ الغربي انتقل من عصر الإيمان الكنسي إلى عصر العلم ثم الاستهلاك، وهو الآن على أعتاب صحوة روحية.
الثالثة: العالم في جوهره طاقة، والانتباه والنية يؤثران فيها.
الرابعة: البشر يتنازعون هذه الطاقة في كل علاقة، من الجدال اليومي إلى الحروب.
الخامسة: يمكن الاتصال بمصدر الطاقة بالتأمل والتواصل مع الطبيعة، فلا حاجة إلى سرقتها من الآخرين.
السادسة: “دراما التحكم”: أنماط نتعلمها في الطفولة لسحب الطاقة من غيرنا، وهي أربعة: المتسلط، والمستجوب، والمنعزل، وصاحب دور الضحية.
السابعة: حين يتحرر الإنسان من دراماه يصغي إلى حدسه ويسير في تدفق الحياة.
الثامنة: كيف نرفع طاقة بعضنا بدل أن نستنزفها.
التاسعة: البشرية تتجه إلى تحول يرتفع فيه الوعي حتى يصير الإنسان أقرب إلى الطاقة الخالصة، وهو ما يقال إن حضارة المايا بلغته فاختفت.
وهذه الرحلة، كما نبّه كثيرون، هي رحلة البطل الكلاسيكية في ثوب مغامرة: يغادر عالمه، ويعبر عتبة، ويلتقي بمعلمين، ويواجه عقبات، ويعود متحولًا، وردفيلد يحول الرحلة الخارجية إلى خريطة داخلية للتنوير.
لكن الرواية، بوصفها فنًا، تقع في فخ واضح، الحبكة ضعيفة ووظيفتها نقل الأفكار، الشخصيات تدخل لتشرح بصيرة ثم تغيب، الأشرار يطاردون دون أن يشكلوا خطرًا حقيقيًا، والبطل وعاء يتلقى التعليم لا إنسان يتغير، وقد اعترف ردفيلد نفسه بأن نيته كانت كتابة “مثل” يوضح فكرة ويعلم درسًا، لا رواية تقليدية، وهذا اعتراف بريء، لكنه يفسر لماذا ينتصر المضمون على الفن.
ما بين السطور: روحانية تتجاوز التاريخ بدل أن تواجهه
هنا الجزء الأخطر، فما يقوله ردفيلد صراحة هو البصائر التسع، أما ما لا يقوله، وما يتسرب من بين الصفحات، فهو الأعمق.
أولًا: السردية الاستعمارية الخفية
الراوي بلا اسم، وهذا يجعله قابلًا لأن يكون أي قارئ، لكنه في الوقت نفسه رجل أبيض يملك أرضًا ورثها عن جده، ويتحدث عن جده “المستكشف” الذي نشأ في عالم ما زال “بريًّا” فيه هنود الكريك يعيشون في أكواخ بدائية، والمفارقة صارخة: كتاب يعد بنموذج روحي جديد للبشرية، يقوم في أعماقه على صورة قديمة، صورة المستكشف الغربي الذي يحمل المنهج العلمي ويكتشف غرض الوجود، والسكان الأصليون جزء من المشهد الطبيعي، وحضارة المايا في الكتاب حاوية لحكمة سرية يكتشفها البطل، وهي “ترتقي” وتختفي، دون كلمة عن الغزو الإسباني وما جرّه من دمار، وردفيلد لا ينتقد الإمبريالية الغربية، بل يعيد إنتاجها في قالب روحي.
وفي تصوري أن هذا ليس محض سهو، إنه رغبة دفينة في التجاوز السريع: أن تقال إن كل ما حدث، الاستعمار والاستغلال والحروب، محض مرحلة، والآن زمن الوحدة الكونية، وهي رغبة مفهومة، لكنها كذلك رغبة في الإفلات من المسؤولية.
ثانيًا: الطاقة تفسير لكل شيء
فكرة أن كل صراع بشري صراع على الطاقة تختصر النفس والمجتمع في معادلة واحدة جذابة، لأن البساطة مريحة وخطيرة، لأنها تلغي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية للصراع: ليس بسبب الموارد ولا الظلم ولا الأيديولوجيا يتقاتل الناس، بل بسبب الطاقة.
ثالثًا: استعارة لغة العلم
يريد ردفيلد أن يصالح بين العلم والروح، وهذا هدف نبيل، لكنه يستعير لغة الفيزياء، وفي مقدمتها ميكانيكا الكم التي يكثر سوء فهمها في هذه الكتب، ليمنح دعاواه شرعية لا تملكها، والقارئ شريك في هذا الخداع اللطيف: يريد أن يصدق أن ما يقرؤه ليس خيالًا.
رابعًا: الجسد والنظرة الذكورية
يعظ الكتاب بضبط النفس والتحرر من الاعتماد على الآخر، لكن شخصياته النسائية تُرسَم من منظور الرغبة الذكورية: توتر جنسي مع شارلين يعمل كخطاف سردي، ووعد ضمني بالعلاقة المثالية بوصفها مكافأة، ويطرح الكتاب فكرة يونغية عن دمج الذكورة والأنوثة داخل الفرد، لكنها فكرة فردية تترك صورة المرأة النمطية كما هي.
خامسًا: الألم
في الصفحات عن دراما التحكم يسمع القارئ صوت المعالج لا صوت النبي، فيها ألم حقيقي لطفل تعلم أن يحمي نفسه بأدوار لا تنتهي، لكن الكتاب سرعان ما يقفز إلى الحل: كن واعيًا بدراماك فتتحرر، كأن الوعي يكفي، كأن سنوات الجرح تغلق بملاحظة ذكية، وهنا أصدق ما في الكتاب وأضعف ما فيه معًا: رغبة صادقة في أن يكون للألم معنى، وهروب خفي من أن بعض الألم لا معنى له، وبعض الظلم لا يُشفى بالتأمل في غابة.
البناء والأسلوب: كتاب يخاف من الصمت
أسلوب ردفيلد مباشر وتعليمي، جمل قصيرة، وحوارات وظيفتها شرح البصيرة التالية، ومشاهد تنتقل بسرعة، قوته أن أي قارئ يتابعه مهما كانت ثقافته، وضعفه أنه يخاف من الصمت: يشرح كل شيء ويملأ كل فراغ، ولا يترك للقارئ مساحة يقف فيها وحده أمام سؤال.
ومع ذلك تلمع لحظات قليلة، في مشاهد الدير والحديث عن العزلة والصمت، يخفت فيها صوت الواعظ ويظهر رجل يعرف شيئًا عن الوحدة والبحث والخوف من الموت، لكنها تدفن سريعًا تحت وابل من التعليمات.
وفي النهاية يتحول الكتاب من رواية إلى منشور: رسالة موجهة إلى القارئ مباشرة بأن ينشر الرؤية، القارئ لم يعد قارئًا بل رسولًا.
الاستقبال: ملايين القراء ونقاد لم يقتنعوا
استقبل الجمهور الكتاب بحماسة، واستقبله كثير من النقاد بفتور وسخرية، انتقدته أوساط علمية لاستعماله الفضفاض للمفاهيم الفيزيائية، وأوساط دينية لأن الكنيسة تظهر فيه خصمًا، وانتشرت عنه نكات كثيرة، لكن الانتقاد لم يوقف المبيعات، وهذه دلالة: القراء لم يطلبوا أدبًا رفيعًا ولا علمًا صارمًا، طلبوا من يخاطب شيئًا فيهم لم يخاطبه أحد، وشعورًا بأنهم مفهومون، خصوصًا في نقدهم للثقافة الحديثة وللفصل بين العقل والجسد وبين الإنسان والطبيعة.
وبعد النجاح لم يتحول ردفيلد إلى زعيم بالمعنى المألوف، لم يؤسس طائفة ولم يزعم أنه يملك البصائر، وأصدر أجزاء لاحقة منها “الرؤية العاشرة” و”سر شامبالا”، وهذا التواضع أو الغموض زاد من جاذبيته: رجل رفض أن يكون نبيًا وكتب كتابًا يقرؤه الناس كأنه وحي.
الخاتمة: مرآة للرغبة لا للحقيقة
هل “نبوءة سلستين” كتاب جيد؟ يتوقف الجواب على ما تطلبه منه، إن طلبت رواية بمعايير الأدب، فلا: النثر باهت والشخصيات مسطحة والحبكة ذريعة، وإن طلبت دليلًا علميًا على ما يقوله عن الطاقة والتطور فلن تجده.
لكن إن أردت أن تفهم لماذا شعر جيل كامل بالضياع، ولماذا يبحث الناس عن معنى في المصادفات والطاقة والإشارات، فهذا الكتاب وثيقة ثمينة، إنه ليس مرآة للحقيقة بل مرآة للرغبة: رغبة في أن يكون العالم ألطف، وأن يكون للألم معنى، وأن نكون جزءًا من قصة أكبر منا.
وأرى في ذلك ما يستحق الاحترام مع بقاء التحفظ، فالبشر حين يعجزون عن تغيير العالم يبحثون عن طريقة لتغيير نظرتهم إليه، وهذا إنساني جدًا لكنه قد ينقلب هروبًا، والدرس الأعمق الذي يقدمه الكتاب، ربما دون قصد، أن البحث عن الروحانية قد يتحول بسهولة إلى شكل جديد من الاستهلاك، وأن النبوءات الكبرى قد تحمل في طياتها، رغم نبلها الظاهر، التحيزات نفسها التي تدعي أنها جاءت لتنقذنا منها.
وربما كان أصدق ما في “نبوءة سلستين” أنها تفعل ما تصفه: تلتقط جوعًا كان في الهواء وتقول لأصحابه إنهم ليسوا وحدهم، وبين رجل يوزع كتابه من صندوق سيارته وملايين يقرؤونه في ليالي القلق، يبقى سؤال معلق: ما الذي كنا نبحث عنه حين اشترينا ذلك الكتاب؟
مقالات ذات صلة: