نموذج الارتداد القائم على التعافي والنهوض في وصف الصمود وتفسيره

حاول أستاذ القيادة الاستراتيجية رون ماير (Ron Meyer) الإجابة عن سؤال أساسي في مجال دراسات الصمود النفسي مفاده: كيف يزيد الأفراد وفرق العمل والمؤسسات من قدراتهم على التعافي من الشدائد؟ واستطاع بالاجتهاد البحثي في الإجابة عن هذا السؤال صياغة ما سماه “نموذج الارتداد للصمود” أو الارتدادية والنهوض وتطويره كونه دالة على الصمود وأوضح مؤشر من مؤشراته بل وربما مؤشره المركزي.
ويخطئ من يتصور أن دلالات تعبير (Rebound) هي محض عودة الفرد أو فريق العمل أو المؤسسة إلى الحالة التي كانت عليها قبل التعرض للشدة أو الصدمة، بل الأقرب هو “الارتداد المقترن بالتعافي والنهوض بل وربما الازدهار”، مثلما هو حال فريق كرة القدم الذي يكون منهزمًا بعدد وافر من الأهداف ولا يتبقى من المباراة إلا زمن قصير، ثم يحدث استفاقة له ويتعادل بما يمثل نقطة العود مرة أخرى والارتداد إلى الحالة الأولى ويتعافى، ثم يستنهض قواه وينتصر في نهاية الأمر.
ويوجد مئات من الحالات الدالة على ذلك، إلا أن ما هو مستقر عليه أن حالة الاستفاقة والعودة والنهوض والانتصار هذه لا تتحقق لأي فريق بل تتحقق للفرق التي تمتلك مقومات وعتاد يمكنها من تحقيق ذلك، ويفسر رون ماير هذا الأمر وفقًا لنموذج نظري لوصف الصمود وتفسيره سماه نموذج “العودة أو الارتداد الموجه بالتعافى والنهوض” (Rebound Model of Resilience).
وما هو بمثابة المسلمة أن الناس كلهم وفرق العمل كلها والمؤسسات كلها تواجه شدائد وتحديات وظروفًا عصيبة، ويفترض على المستوى المثالي أنه كلما ارتفع مستوى شدة المتاعب والصعوبات والظروف العصبية وكلما زادت جهود المثابرة في مواجهتها زاد عبء مواجهتها والتعامل معها ومتطلباتها بل وضريبتها.
وما يمكن التنويه إليه أيضًا أن الشدائد القوية والمفاجئة ربما توهن من عزيمة الأفراد وتستنزف قواهم وعتادهم، الأمر الذي قد يفضي بهم إلى الاستسلام لها وربما الانهيار أمامها. وهنا يطرأ أمامنا متغير “القوة والمتانة والصلابة” (Robustness) الذي يعرف هنا بأنه “عدم التشقق أو عدم الانكسار تحت الضغط”، رغم أن القدرة على تحمل عبء الشدائد والضغوط أمر ثقيل.
وما على الإنسان هنا إلا أن يختار إما الاستسلام والانهيار وقبول الوضع بما هو عليه، أو “افتداء الذات” عبر الصمود النفسي بكل مقوماته وبما يفضي إلى أولًا الارتداد إلى الوضع الذي كان عليه والتعافي من تأثيرات المحن والشدائد والنهوض من جديد بدلًا من قبول الهزيمة.
وتأسيسًا على هذه الفكرة بالغة البساطة في واقع الأمر من حيث التعبير اللغوي وشديدة الصعوبة في التنفيذ، يفيد أنصار نموذج “الارتداد” في وصف الصمود وتفسيره بأن “النهوض” بعد التعرض للكبوة دالة تمكن الشخص من استثمار العتاد النفسي والبيئي المتاح وفقًا للإجابة عن ثلاثة أسئلة: ماذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ والأهم من ذلك:
اقرأ أيضًا: ما المقصود بالتفاؤل المتعلَّم؟
أولًا
تحتاج إلى ما يعرف بوسائل “العودة” و”الارتداد” الموجه نحو النهوض، ويعرف ذلك برأس المال (capital) لتقف مرة ثانية على قدميك، هنا أنت في حاجة إلى أشياء تمثل الإجابة عن سؤال “ماذا؟”.
ثانيًا
تحتاج إلى طرائق ومسارات للعودة والارتداد الموجه نحو النهوض فيما يعرف ب “القدرة” (capability)، أي تحتاج إلى أن تعرف الطريق الذي ستسير فيه بعد أن تقف على قدميك ويمثل ذلك الإجابة عن سؤال “كيف؟”.
ثالثًا
تحتاج إلى ما يعرف بتبني ذهنية العودة والارتداد الموجه بالنهوض (mentality to rebound) فيما يعبر عنه بـ”الالتزام والتعهد الإرادي” (commitment)، بما يعني أنك تحتاج إلى أن يستقر في تكوينك رغبة مؤكدة في أن تقف على قدميك وتسير في طريق التعافي والنهوض فيما يمثل إجابة عن سؤال “لماذا؟”.
العناصر المفتاحية لنموذج الارتداد في وصف الصمود وتفسيره
يتضمن نموذج “الارتداد” في وصف الصمود وتفسيره ثلاثة مكونات أساسية لعملية الصمود النفسي تحتوي على ستة عوامل مركزية، يمكن تناولها على النحو التالي:
1- رأس المال: وسائل العودة والارتدادية والنهوض (Capital: Means to Rebound)
يبدأ التعافي من الشدة أو المحنة عندما يمتلك الشخص الوسائل الصحيحة واستثمارها، وكلما زادت هذه الوسائل وكلما كانت في متناول قدرة الشخص على استخدامها زادت فرص الارتداد والتعافي والنهوض، ويحتوي هذا المكون من مكونات الصمود على فئتين أساسيتين تتمثلان فيما يلي:
- العتاد أو المصادر (Resources): وسائل يمتلكها الشخص أو فريق العمل أو المؤسسة مثل: المال، المعلومات، المعارف، الإمكانيات، المهارات.
- شبكة العلاقات (Network): وسائل ذات طابع علاقي يمكن استخدامها مثل: الاتصالات، السمعة، الثقة، حسن النية، فضلًا عن استعادة ثقة الآخرين عندما تتأزم الأمور، وهي عامل مهم لما يتنجم عن ذلك من زيادة من الموثوقية والمساندة.
2- القدرة: طرائق العودة والارتداد والنهوض (Capability: Methods to Rebound)
حتى لو امتلك الشخص الوسائل أو رأس المال المشار إليه، فإن الارتداد والتعافي والنهوض بعد التعرض للصدمة أو الشدة أو المحنة لا يتحقق بذاته، بل يتطلب ما يعرف بالمدخل المرتكز على الإقبال والتعامل البناء مع الشدة أو المحنة بطريقة فعالة ومثمرة، وعادة ترتقي هذه القدرة مع الزمن، وتتضمن عنصرين مركزيين، هما:
- الضبط (Control): لكي يتمكن الإنسان من العودة والتعافي والنهوض بعد التعرض للشدة لا بد أن يكون قادرًا على ما يعرف بامتلاك زمام ذاته والقدرة على إدارة الذات، ومن ثم الاجتهاد والمثابرة والتصميم، بدلًا من محض الأمل في أن تؤول الأحداث إلى الأفضل بذاتها، وعادة يطلق على هذا البعد “مركز الضبط أو محل التبعة” (locus of control)، بخاصة بعد مركز الضبط الداخلي (internal locus of control) لارتباطه بتوجه الشخص إلى تحمل المسؤولية عن ذاته والارتقاء بها رغم أي صعوبات أو شدائد أو محن يتعرض لها.
- الرشاقة (Agility): مع القدرة على الضبط واليقين أو الاعتقاد بإمكانية السيطرة على الذات وإدارة الموقف، من المهم جدًا في الوقت نفسه أن يتقبل الشخص ما لا يمكن تغييره أو ما هو خارج نطاق قدرته على الضبط أو السيطرة.
فلكي يتمكن الإنسان من العودة والارتداد والتعافي والنهوض بعد التعرض للشدائد والمحن عليه أن يبحث عن الحلول الممكنة، وأن يرغب في التجديد واتساع المنظور وتعددية الرؤية وتعلم كل ما يمكن أن يفيد في هذا الصدد، فضلًا عن الترجيح بين البدائل المتاحة، فيما يعبر عنه بالرشاقة المعرفية والسلوكية.
3- الالتزام الذاتي: ذهنية العودة والارتداد والنهوض (Commitment: Mentality to Rebound)
عندما يتعرض الإنسان لشدة أو محنة أو صدمة أو ظروف حياتية عصيبة ربما يعاني انخفاضًا في روحه المعنوية، ولكي يستنهض همته ويتجاوز مثل هذه الشدائد أو الظروف عليه أن يعول على نفسه وأن يستجمع قواه النفسية الداخلية، وربما المطلب الأساسي لذلك هو في ارتفاع معامل التعهد والالتزام الإرادي الذاتي خصوصًا في بعده الانفعالي (emotional commitment)، ويتضمن ذلك مكونين أساسيين هما:
- التصميم والعزم (Determination): يشير إلى “التعهد والالتزام الذاتي والإرادي” بهدف محدد، فعندما تكون راغبًا وبقوة وبإرادة في تحقيق شيئًا ما، ستجد لديك الشجاعة والجرأة والتصميم على استدامة الجهد والمحاولة مهما كانت الظروف معاكسة لك، بما يوفره لك ذلك التصميم من طاقة وقدرة على التحمل.
- التكافل والتضامن والتماسك (Solidarity): دالة لمدى الارتباط بجماعات المساندة في إطار الولاء والانتماء لأشخاص آخرين مع رغبتك في التفاعل معهم بتواد وتقبل للازدهار معًا، هنا يجد الإنسان نفسه مفعمًا بالقوة والحافز لإعطاء المساندة وتلقيها على نحو أفضل، فضلًا عن تجديد الطاقة والقدرة على التحمل في إطار فكرة التواجد معًا.
تعرف على: اضطراب ما بعد الكرب
الصمود في ضوء نموذج العودة والارتداد والنهوض
نقاط أساسية
- يتعلق الصمود بالعودة والارتداد والتعافي والنهوض مرة ثانية بعد الشدة (Resilience is about rebounding from adversity)، فالصمود لا يدور فقط بخصوص أن يكون الشخص قويًا “المتانة والقوة” (robustness)، أو أن يكون الشخص فقط “مرنًا” أي صفة “التكيفية” (adaptability)، بل أيضًا القدرة على النهوض مرة ثانية بعد التعرض لضربة أو صدمة أو شدة، بمعنى أن الصمود يتعلق بأن لا يظل الشخص في حالة الوقوع بل الوقوف على قدميه مرة ثانية.
- الصمود صفة لكل النظم (Resilience is a quality of all systems): يتعرض كل نسق أو كل نظام لشدائد ومحن سواء كان هذا النسق أو النظام: فرد، فريق عمل، أو منظمة، بل وحتى مجتمع، والسؤال الجوهري لكل هذه النظم ما إذا كانوا يمتلكون القدرة الداخلية للتغلب على هذه الشدائد والمحن والتحديات والتعافي من تأثيراتها السلبية، أم الانهيار والاستسلام لها واليأس في نطاقها؟
- يتعلق الصمود بالقدرة على الارتداد والقدرة على التعافي (Resilience is about being able to bounce back)، تكمن جذور القدرة على الارتداد والتعافي والنهوض مرة ثانية في امتلاك الإنسان للوسائل الصحية وقدرته على استثمار الطرق والإمكانيات المتاحة له، وتتعلق الوسائل بما سبق الإشارة إليه تحت اسم “مكون رأس المال” الذي يتضمن العتاد والمصادر النفسية الداخلية للشخص وشبكات المساندة الانفعالية والمادية والاجتماعية في البيئة، فضلًا عن ضرورة التمتع بمستوى مرتفع من الرشاقة في إيجاد طرائق التغلب على الصعوبات والتحديات وتجاوز العثرات.
- يتعلق الصمود أيضًا بالحاجة إلى والإرادة في الارتداد والتعافي والنهوض (Resilience is also about wanting to bounce back)، فيما يعبر عنه بالنية والرغبة والإرادة وليس القدرة فقط، بما يعني أن يتبنى الإنسان ما يشار إليه اصطلاحًا بذهنية الالتزام الذاتي (mentality of Self commitment)، بما تتضمنه من عزم وتصميم ومثابرة والتزام بهدف والتضامن والتفاعل مع الآخرين.
- يمكن تعهد الصمود النفسي بالرعاية والتنمية والتعزيز والتقوية (Resilience can be built up)، الصمود النفسي ليس قدرة أو سمة أو كفاءة ثابتة بل هو بمنزلة قدرة وعملية وناتج يمكن تعزيزه وتنميته عن طريق حشد العتاد والمصادر النفسية للشخص وتعبئتها، وتعليمه مقومات الالتزام الذاتي وكفاءاته ومهاراته، فعندما يفكر المديرون على سبيل المثال في الارتقاء التنظيمي يحتاجون إلى تقوية ما هو أكثر من الفاعلية والكفاءة، إلى تحسين القدرة على الصمود ومواجهة التحديات والمصاعب ومطالب العمل المتغيرة.
اقرأ أيضًا: كلها رياح عاتية تضرب يدك
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا