كلها رياح عاتية تضرب يدك

لم تكن الرحلة عبر الصحاري والقفار محض انتقال من نقطة إلى أخرى، لقد كانت دومًا اختبارًا حقيقيًا للصبر والقدرة على مواجهة “التيه” الذي يتربص بالمسافر عند كل عاصفة أو ليلة غائبة النجوم.
في جوف الليل وحين تلتحم السماء بالأرض في سواد كالح، لا تعود الصحراء محض مساحات من الرمل، إنما تتحول إلى وحش يتربص بالخطأ الأول.
وحين تهب عاصفة رملية فتنعدم الرؤية تمامًا، تكون خطوة واحدة خارج المسار المألوف كافية ليبتلع التيه صاحبها للأبد.
لا يرى الإنسان أحدًا، ولا يسمع سوى عواء الريح التي تغير ملامح الأرض في ثوانٍ معدودة، لذلك، ابتكر طوق نجاة يسمونه “حبل الفرقة” (Rope team).
كان المسافرون يربطون أجسادهم وإبلهم بحبل واحد متين إذا اشتد الظلام. تسير القافلة كلها كجسد واحد، قد لا يرى المسافر رفيقه، ولا يعرف إن كان يركض نحو النجاة أم نحو حتفه، لكن كفه تظل قابضة على الحبل بيقين قاطع أن هناك طرفًا آخر مشدودًا يمنعه من الضياع.
هذا التكتيك لم يقتصر على رحلات البادية، لكن حبلًا شبيهًا كان يربط بحارة السفن في العواصف الشرسة، ويعصم متسلقي الجبال الجليدية من السقوط في الشقوق الخفية، وكذلك يمنع رواد الفضاء من التلاشي المطلق في الفراغ.
حبل واحد يفصل بين البقاء والتيه
والحق أن المرء يعبر اليوم صحاري من نوع آخر. لا تذرو الرياح رمالها فهي مرصوفة بالشاشات، واللهاث اليومي والقلق الذي يحاصر الروح من كل اتجاه. قلق من ظلام غياب الوجهة. أن يمشي وسط الزحام يتكلم ويضحك وينجز أعماله، لكنه في أعماقه لا يعرف إلى أين يذهب.
تلك اللحظة التي يشعر فيها أن كل شيء حوله يتحرك بسرعة، في حين أن قلبه يقف في العراء، يرتجف من برد التيه. في قلب هذا الفزع تطرق معاني الوحي بابك واضعة في يدك حبلًا، ليس كحبل المرافق الذي قد ينقطع مهما بلغت قوته، حبل وثيق لا انفصام له.
“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)”. تأمل اللفظين: “وثقى” و”لا انفصام”.
كلمة “وثقى” تحمل ذروة الإحكام والصلابة التي تحتمل ثقل أرواحنا المنهكة وأوجاعنا المتراكمة دون أن تهتز.
و”لا انفصام” هو الضمان الأبدي الذي يسقط مخاوفك كلها، فحبال الأرض كلها تتآكل بالاحتكاك أو تتهشم تحت الضغط، إلا هذا الحبل، لا يبليه الزمن ولا تقطعه عواصف الشبهات.
إذًا العروة وثقى، والحبل متين لا ينقطع أبدًا. الخطر الوحيد أن ترتخي قبضتك أنت.
هنا تخاطبك آية الزخرف التي خاطب الله بها نبيك صلى الله عليه وسلم: “فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43)”. ”فاستمسك”.
الاستمساك هنا ليس قراءة باردة للوحي في خلوة آمنة، ولا هو التفاتة عابرة في زحام اليوم. لفظ يحمل معنى المجاهدة، والقبض بقوة، والتشبث الذي لا يعقبه تراخٍ.
كأن الآية تخبرك أن هناك قوة هائلة ستجذبك في الاتجاه المعاكس؛ هوى النفس، ضغط المجتمع، جاذبية الأرض ودواعيها، كلها رياح عاتية تضرب يدك بقسوة لتفلت الحبل.
الوحي لا يطالبك بأن توقف العاصفة ولا يشترط أن ترى نهاية الطريق وسط هذا الغبار الكثيف، يكفيك فقط أن تقبض على الحبل وتكمل المسير.
“إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”، هذه ليست محض جملة خبرية للطمأنينة، هي بوصلة تصحح موقعك، وتخبرك أنك في المكان الصحيح حتى لو كان العالم كله يركض من حولك في الاتجاه المعاكس.
وإن صناع الضجيج اليوم يحترفون الابتزاز، يبتزون قلقك، ويحاولون إقناعك أن النجاة في الاندماج التام معهم لتأمن، يغرقونك في التفاصيل حتى تنسى أننا نقبض على الحبل. تنشغل بخطواتك وبسرعة الريح وبمن يسبقك في القافلة، حتى تكتشف فجأة أن يدك قد باتت فارغة، وأنك تمضي في الصحراء وحدك.
الأزمات تفضح دائمًا هشاشة هذه الأوهام، وعند أول زلزلة حقيقية تتمزق كل حبال الأرض، تتساقط الألقاب، وتتبخر الحسابات المعقدة ولا يبقى إلا حبل السماء الممتد.
وهذا هو الإيمان في جوهره، ليس محض مشاعر تطفو على السطح في لحظات الرخاء، الإيمان الحقيقي هو تلك القبضة الدامية على العروة الوثقى حين تشتد العاصفة.
أن تشعر بـ”الافتقار” المطلق، فتعرف أن نجاتك ليست في ذكائك، ولا في قوة احتمالك، نجاتك حصرًا في بقاء الحبل في يديك كلما ازداد الضجيج من حولك، وضاقت عليك المسالك وتوهمت أنك ضائع لا محالة، تفقد القدرة على التمييز بين الأصوات، فلا تحاول أن تجاري الضجيج.
لا تلتفت للخلف ولا ترهق عينيك كثيرًا في محاولة اختراق العتمة، يكفيك أن تشدّ قبضتك وتحكم تمسكك بحبل الله الممدود الذي طرفه في أيدينا. وتأكد أن الطرف الآخر معقود في السماء الذي مده لك لن يخذلك ولن يفلت يدك، إلا إذا أفلتها أنت.
مقالات ذات صلة:
زهد في الموجود.. وبحث عن المفقود
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا