علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

زهد في الموجود.. وبحث عن المفقود

يقول الكاتب المصري جلال أمين في سيرته الذاتية رحيق العمر: “نحن نتطلع إلى هدف ونتلهف إلى تحقيقه، فإذا حققناه سرعان ما نفقد الحماس له، بل ربما فقدنا حتى الرغبة فيه، فنتطلع ونتلهف إلى ما هو أبعد منه، ثم نفقد الحماس وربما الرغبة في هذا أيضًا فور فوزنا به، ونتطلع إلى ما هو أبعد منه فإذا به عصيٌّ صعب المنال، فنصاب بخيبة الأمل. تلك قوة الخيال التي تدفع الإنسان إلى أن يمتد بآماله إلى آفاق بعيدة فلا يتوقف عند الآمال التي يمكن تحقيقها”.

يُحكى أن رجلًا صنع معروفًا لملك من الملوك، فأراد الملك أن يجزيه على إحسانه، فقال له: “سلني ما شئت”. وكان الرجل مولعًا بالأرض، يرى في اتساعها عزًا وفي كثرتها غنى، فقال: “أريد مزرعة واسعة تكون لي ولعقبي من بعدي”. نظر الملك إليه مليًا، كأنه قرأ ما في نفسه من طموح لا يقف عند حد.

ثم أشار إلى وادٍ فسيح يمتد أمامهم حتى يتلاشى في الأفق، وقال له: “لك من هذه الأرض ما تستطيع أن تطوف حوله وتعود إلى نقطة انطلاقك قبل غروب الشمس”. كانت الشمس يومئذ في مطلعها، والنهار طويلًا، والأرض منبسطة، والفرصة مغرية، فانطلق الرجل مسرعًا يملؤه الأمل ويستحثه الطموح ويغريه اتساع المدى.

في الساعات الأولى كان يسير مطمئنًا، وكلما همّ أن ينعطف ويعود قال في نفسه: “ما زال الوقت مبكرًا، وما زالت أمامي فرصة لضم مساحة أكبر”. ثم مضى قليلًا فقال: “لو تقدمت أكثر لازددت غنى، ولو وسعت الدائرة لكان الربح أعظم”. وهكذا ظل يؤجل العودة خطوة بعد خطوة، وحدًا بعد حد، حتى صار أسيرًا لفكرة الزيادة نفسها.

لم يعد ينظر إلى ما كسب، بل إلى ما لم يكسب بعد. ولم يعد يفرح بما صار في يده، بل بما يتخيل أنه يمكن أن يصير إليها. وهنا تكشف النفس الإنسانية عن أحد أسرارها العجيبة، فهي كثيرًا ما تتعلق بالمفقود أكثر من تعلقها بالموجود، وتنجذب إلى البعيد أكثر من انتفاعها بالقريب، وتعيش على وعود الغد أكثر مما تعيش على نعم اليوم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فلما مالت الشمس إلى الغروب التفت الرجل وراءه، فإذا نقطة البداية أبعد مما ظن، وإذا المسافة التي قطعها في التوسع أكبر من أن تعوض في الرجوع. عندها تبدد سحر الأماني، وحلت محلّه قسوة الواقع. أخذ يعدو بكل ما بقي فيه من قوة، يلهث تارة ويتعثر تارة أخرى، والشمس تسرع إلى المغيب أسرع مما يسرع هو إلى النجاة.

كان يرى الأرض التي حلم بها تتسع أمام عينيه، لكنه كان يرى معها فرصته تضيق شيئًا فشيئًا. وحين أدرك أن الوقت قد خانه، وأن الطمع قد خدعه، عرف متأخرًا أن الإنسان لا يخسر بسبب قلة ما يملك دائمًا، بل قد يخسر بسبب عدم رضاه بما يملك.

وهذه القصة، وإن بدت بسيطة في أحداثها، إلا أنها تلخص جانبًا عميقًا من طبيعة الإنسان. فالنفوس مفطورة على التطلع إلى ما وراء الواقع، لذلك كان الطموح من أعظم القوى التي دفعت الحضارات إلى البناء والإنجاز والكشف والاختراع.

لكن القوة نفسها قد تنقلب إلى عبء حين تنفصل عن الحكمة وتتحول من وسيلة للنمو إلى شهوة لا تعرف التوقف. فالفرق كبير بين من يقود طموحه، ومن يقوده طموحه، الأول يجعل الأمل سلمًا يرتقي به، والثاني يجعله سرابًا يركض خلفه حتى يضيع منه ما كان في متناول يده.

لهذا جاء الوصف النبوي الدقيق لهذه الحقيقة في قوله صلى الله عليه وسلم: “لو أن لابن آدم ملء واد ذهبًا ابتغى إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، والله يتوب على من تاب” (متفق عليه).

فالحديث لا يتحدث عن شخص بعينه، وإنما عن نزعة إنسانية متكررة عبر العصور، نزعة تجعل المنجز محطة عابرة لا مستقرًا، وتجعل الأمنيات تتوالد من الأمنيات. وما إن يبلغ المرء غاية كان يظنها نهاية الطريق حتى تتحول في نظره إلى بداية لطريق جديد. ولذلك فإن كثيرًا من الناس لا يتعبهم الفقر بقدر ما يتعبهم الشعور بأن هناك ما لم يحصلوا عليه بعد.

وقد أدرك عمر بن عبد العزيز هذه الحقيقة، لكنه وجّهها وجهة مختلفة حين قال: “إن لي نفسًا تواقة، وما حققت شيئًا إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة. فأرجو أن أكون من أهلها”.

فلم يحاول قتل التطلع الكامن في النفس، وإنما رفع موضوع التطلع نفسه. فبدلًا من أن يظل أسيرًا لمطالب الدنيا التي لا تنتهي، جعل نهاية الشوق أمرًا لا يوجد بعده مطلوب أعلى منه.

وهنا يتبين أن المشكلة ليست في وجود الطموح، بل في نوع الغاية التي يتجه إليها. فالنفس التي تتعلق بالدنيا وحدها تبقى في حالة جوع دائم، أما النفس التي تجعل للدنيا قدرها وللآخرة منزلتها فإنها تعرف كيف تطمح دون أن تستعبدها أطماعها.

مقالات ذات صلة:

التكرار الأبدي للغطرسة البشرية

وليكن “بسطها ومقامها” أنت

ميداس واللمسة الذهبية!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.