
السعي الخلود
أقدم نصٍّ كتبه الإنسان كان عن رجلٍ يبحث عن الخلود. جلجامش طاف الأرض هربًا من الموت، فلمّا انتزعت الحيّة عشبة الحياة من يده عاد إلى أوروك ووقف يتأمّل سورها. تلك اللحظة هي ميلاد الحكمة البشرية كلّها: أن يكفّ الإنسان عن طلب ما لا ينال، فيبني في الزمن المحدود شيئًا يبقى بعده. لم يكن الموت عقوبةً حلّت بجلجامش، بل كان الشرط الذي جعل السور ممكنًا.
فالحد هو ما يمنح الأشياء صورتها. اللوحة إنما تكون لوحةً لأنّ لها إطارًا، والنغمة إنما تكون موسيقى لأنّها تنقطع. وحياةٌ بلا نهاية ليست حياةً أطول، بل شيءٌ آخر تمامًا، بلا شكلٍ ولا اتجاهٍ ولا ثقل. ومن هنا قال هايدغر إنّ الإنسان لا يصير أصيلًا إلا حين يواجه كونه كائنًا نحو الموت، إذ عندها فقط يكفّ عن العيش بالتسويف ويختار.
الظلم والزمن
الظلم يطاق لأنّه عابر. الظالم مهما تجبّر ففي جسده ساعةٌ لا يملك إيقافها. تخيّل أنّها تعطّلت: فرعون خالدٌ على عرشه، والنمرود لا يشيخ، وبختنصر يسوق الأمم في سلاسله ألف عامٍ بعد ألف، ونيرون وكاليغولا وكومودوس شبابٌ لا تذبل وجوههم، وهتلر وستالين وموسوليني يستأنفون كلّ صباحٍ ما بدأوه بالأمس بأدواتٍ أحدث وشهيّةٍ أشدّ.
الظلم شهوةٌ لا تعرف التخمة، والدم لا يروي سافكه بل يزيده عطشًا. الظالم لا يتوقّف باختياره، يوقفه الموت وحده، حين تعجز عن إيقافه الجيوش والقوانين.
وللمظلوم في الموت عزاءٌ أعمق: يقينه أنّ الجبروت زائل، وأنّ الأرض التي وطئت باسم الطاغية ستضمّه كما تضمّ أفقر خلقه. انزع هذا اليقين يصر الظلم أبديًّا لا أفق وراءه، وذاك هو الجحيم بعينه، لا العذاب، بل العذاب الذي لا يرجى انقضاؤه.
الفقر والغنى
وهنا يظهر وجه الموت الاقتصادي، وهو أخفى وجوهه وأشدّها دلالة.
الفقر محتملٌ لأنّه محدود. يقول الفقير لنفسه: سنةٌ أخرى، أو جيلٌ آخر، أو موتٌ يريحني ويسوّيني بمن فوقي. فإذا رفع الموت صار العوز حكمًا مؤبّدًا بلا استئناف، وصار الجوع لا حادثةً في عمرٍ بل صفةً أبديةً للوجود. ليس في الأرض عقلٌ يحتمل أن يعلم أنّه سيظلّ جائعًا إلى ما لا نهاية.
والغنى كذلك. المال إنّما يدور لأنّ اليد التي تقبضه ترتخي يومًا. الموت هو الآلية الوحيدة التي لا يستطيع أحدٌ التحايل عليها لإعادة توزيع الأرض والذهب والسلطة، لولاه لبقي كلّ ما ملك في يد أوّل من ملكه، ولما ورث شيءٌ ولا انتقل، ولتراكم الثراء في قبضةٍ واحدةٍ تراكمًا لا يقف عند حد، حتى يصير من وُلد متأخّرًا معدمًا بحكم تاريخ ميلاده لا غير. الميراث ليس تفصيلًا فقهيًّا، إنّه اعترافٌ بأنّ الملكية مؤقّتة بطبيعتها.
ثمّ إنّ الغنى نفسه يفقد معناه بلا موت. لماذا يدّخر من أمامه زمنٌ لا ينفد؟ ما قيمة التأمين على مستقبلٍ لا يأتي أبدًا؟ الثروة كلّها بناءٌ على ندرة الوقت، فإذا انتفت الندرة انهار المعنى. القيمة بنت الحدّ، لا في المال وحده بل في كلّ شيء: الحبّ يشتدّ لأنّ صاحبه قابلٌ للفقد، والكلمة الطيبة تقال اليوم لأنّ الغد غير مضمون.
لماذا يجنّ الخالد
جادل الفيلسوف برنارد وليامز بأنّ الخلود ليس نعيمًا بل مللٌ لا يحتمل، لأنّ الرغبات التي تصنع هويّتنا محدودة العدد، فإذا استنفدت بقي الشخص حيًّا بلا سببٍ للحياة. أضف إلى ذلك عقلًا يتراكم فيه ألف عامٍ من الذكريات: كلّ وجهٍ أحببناه، وكلّ خسارةٍ ذقناها، وكلّ ندمٍ لم نكفّر عنه، محفوظًا بلا نسيانٍ ولا انطفاء. النسيان رحمة، والموت نسيانٌ أكبر. الإنسان يحتمل قدرًا محدودًا من التجربة، فإذا تجاوزه انهار. الخلود لا ينتج حكماء بل مجانين، ويملأ بهم الكون.
تجديد وجه الحياة / وجه الأرض
ولاحظ ابن خلدون أنّ للدول أعمارًا كأعمار الأفراد، وهذا هو سرّ التاريخ كلّه. لولا الموت لبقيت الأرض بيد جيلٍ واحدٍ لا يتنحّى، ولما صحّح خطأٌ قديم ولا ولدت فكرةٌ جديدة. العلم نفسه لا يتقدّم بإقناع القدماء، بل برحيلهم.
الموت إذًا ليس نقيض الحياة، بل شرطها: يوقف الظالم، ويعزّي المظلوم، ويحرّر الفقير من مؤبده، ويردّ مال الغنيّ إلى الدوران، ويمنح الوقت ثمنه، ويحفظ العقل من التخمة، ويجدّد وجه الأرض. ما أقسى ظاهره، وما أعظم رحمته حين نفهمه.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا