مقالات

تصاعد حملات المقاطعة الأكاديمية ودعواتها ضد المؤسسات والباحثين في إٍسرائيل، وهروب الأكاديميين الإسرائيليين من مواجهة الأسباب

أولًا: مقدمة

تصاعدت الحملات والدعوات المقاطعة الأكاديمية ضد المؤسسات والباحثين الإسرائيليين في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. وسلط الضوء على تزايد ضغوط حركة المقاطعة (BDS) في الجامعات الغربية، وتحولت هذا المقاطعة من محض مواقف سياسية إلى تهديد هيكلي واستراتيجي يمس قطاعات البحث العلمي والابتكار والصحة والاقتصاد في إسرائيل.

ثانيًا: أسباب هذه المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل

تتعدد أسباب المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل وتتداخل بين أبعاد سياسية، وإنسانية، وحقوقية، ومؤسسية، وقد اكتسبت قوة دفع غير مسبوقة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب على غزة.

تنقسم هذه الأسباب إلى ثلاثة مستويات رئيسية:

1.   الأسباب المباشرة المرتبطة بحرب غزة (بعد 7 أكتوبر)

  • الدمار الشامل للمنظومة التعليمية في غزة: الإبادة التعليمية (Scholasticide): تأثرت الأوساط الأكاديمية حول العالم بتدمير جميع الجامعات الرئيسية في قطاع غزة (مثل الجامعة الإسلامية، جامعة الأزهر، جامعة الأقصى)، ومقتل مئات الأساتذة والباحثين وآلاف الطلاب، مما جعل الأكاديميين الغربيين يرون في ذلك محاولة لمحو البنية التحتية الفكرية والثقافية للشعب الفلسطيني.
  • ارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين: أدى حجم الخسائر البشرية والأزمة الإنسانية في غزة إلى تحرك النقابات والاتحادات الطلابية والأكاديمية في الغرب لقطع العلاقات مع المؤسسات الإسرائيلية، بوصفه نوعًا من الضغط السياسي والموقف الأخلاقي للضغط من أجل وقف إطلاق النار.

2.   الأسباب الهيكلية والتاريخية: حركة (BDS) والمجتمع المدني

تعتمد حملة المقاطعة الأكاديمية على الدعوة التي أطلقتها “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)” عام 2004، والمنضوية تحت حركة المقاطعة (BDS). وتختصر أسبابها التاريخية في:

  • التورط المؤسسي للجامعات الإسرائيلية: تراكم الحركة أدلة على أن الجامعات الإسرائيلية ليست مؤسسات أبحاث محايدة، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة الاحتلال عبر:
  • تطوير التقنيات العسكرية: أبحاث وتطوير أسلحة وتقنيات ذكاء اصطناعي وطائرات مسيرة تستخدم ميدانيًا.
  • تقديم الاستشارات والنظريات الأمنية: تطوير العقائد العسكرية والأطر القانونية التي تشرعن سياسات الاحتلال والسيطرة.
  • استضافة القواعد وبرامج التدريب العسكري: توفير برامج خاصة للجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية داخل الحرم الجامعي (مثل برنامج “تالبوت” في الجامعة العبرية).
  • التمييز ضد الطلاب والأكاديميين الفلسطينيين: اتهام الجامعات الإسرائيلية بفرض ممارسات تمييزية وتقييد حرية التعبير للطلاب والأكاديميين عرب 48، وتضييق الخناق على النشاط السياسي والفكري الفلسطيني داخل المحافل الأكاديمية الإسرائيلية.
  • مناهضة “الفصل العنصري” (الأبارتهايد): تبني عدد كبير من الجمعيات الأكاديمية الغربية (مثل جمعية الدراسات الأمريكية (ASA)) لتوصيف تقارير المنظمات الدولية (مثل العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش) لإسرائيل كدولة تمارس الفصل العنصري، واعتبروا المقاطعة الأكاديمية أداة نضالية شبيهة بالمقاطعة التي أطاحت بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

3.   دوافع الحراك الطلابي والأكاديمي في الغرب

  • رفض الاستثمار والتمويل المفروض: تطالب الاتحادات الطلابية في جامعات مرموقة (مثل هارفارد، كولومبيا، شبكة جامعات أوروبا) مجالس إدارتها بسحب الاستثمارات من الشركات التي تزود الجيش الإسرائيلي بالسلاح، وإنهاء الشراكات البحثية وبرامج التبادل الطلابي التي تعتمد على صندوق تمويل مزدوج.
  • استقلالية القرار الأخلاقي للأكاديميين: يرى عديد من المحررين العلميّين والباحثين أن استمرار التعاون الأكاديمي الطبيعي (Business as usual) يعد تواطؤًا ناعمًا أو “غسيل طاقات (Academic whitewashing)” تغطى به الانتهاكات الحقوقية تحت شعار “التبادل العلمي الحر”.

اقرأ أيضا: ماذا فعلت أنت؟!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثالثًا: موقف الأكاديميين الإسرائيليين من هذه المقاطعة

كتب (Boaz Golany) وريفكا كارمي (Rivka Carmi) مقالة بعنوان (On the Academic Boycott Threat against Israel Post October 7th) نشرت في مجلة (Israel Studies Review) الصادرة عن دار النشر الأكاديمية (Berghahn Journals) في مارس 2025 (المجلد 40، العدد 1، الصفحات 3–9). والجهة التابع لها البحث هي مشروع “درع الباحث (Scholar Shield Project)” التابع لمعهد “صموئيل نيمان للدراسات السياسية القومية (Samuel Neaman Institute)”.

الكاتبان هما بوعز جولاني (Boaz Golany) وهو بروفيسور إسرائيلي في الهندسة الصناعية والإدارة، شغل مناصب قيادية وأكاديمية بارزة في معهد التكنيون (Technion) وتخصص في إدارة العمليات والسياسات الأكاديمية.

أما ريفكا كارمي (Rivka Carmi) فهى طبيبة وبروفيسورة إسرائيلية في علم الجينات، شغلت سابقًا منصب رئيسة جامعة بن جوريون في النقب، وتعد من الشخصيات البارزة في إدارة التعليم العالي والقطاع الصحي في إسرائيل.

رابعًا: الفكرة المحورية للمقال

تتلخص الفكرة الرئيسة في أن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل بعد 7 أكتوبر لم تعد تقتصر على قرارات سريعة أو علنية، بل تحولت إلى “مقاطعة ضامرة/خفية (Implicit/Silent Boycott)” تؤثر على رفض الأبحاث وقطع الشراكات ورفض قبول الطلاب الإسرائيليين، مما يهدد بعزل الأكاديمية الإسرائيلية وتراجع جودة أبحاثها، وبناء عليه تضرر الاقتصاد القائم على التكنولوجيا (High-Tech) والمنظومة الصحية.

خامسًا: محاور المقال الرئيسية

  1. سياق تصاعد المقاطعة: رصد المظاهرات وحراك الطلاب والمظاهر المناهضة لإسرائيل في الجامعات الغربية بعد أكتوبر 2023.
  2. أنواع المقاطعة (المعلنة والخفية): التمييز بين القرارات الرسمية الصادرة عن جامعات أو نقابات (Explicit) والممارسات الفردية غير المعلنة من المحكمين والمحررين والشركاء.
  3. نتائج استبيان مشروع “درع الباحث”: رصد مئات الحالات التي واجهها الأكاديميون الإسرائيليون (مثل إلغاء مؤتمرات، رفض نشر، تجميد مشاريع مشتركة).
  4. التأثيرات القطاعية: الأثر المباشر على العلوم الاجتماعية والإنسانية، والأثر الممتد المتصاعد على العلوم الطبيعية والهندسة والقطاع الطبي.
  5. التداعيات الاقتصادية والاجتماعية: خطورة تراجع جودة التعليم العالي الإسرائيلي على قطاع التكنولوجيا الصاعدة والتنافسية العالمية.
  6. استراتيجيات المواجهة: الجهود الحكومية والمؤسسية والملاحقات القانونية للحد من تأثير المقاطعة.

اقرأ عن: المواطنون العرب في إسرائيل بين الاندماج الوظيفي والفصل البنيوي

سادسًا: النظريات والأطر المرجعية والمنهجية التي اعتمد عليها الكاتبان

  • مدخل دراسات الأمان الوجودي والسياساتي (Ontological Security / National Policy Analysis): التعامل مع الشرعية الأكاديمية والبحث العلمي كونه أحد أصول “الأمن القومي” والقدرة على الصمود الإستراتيجي.
  • الإطار التحليلي لحركات المقاطعة الدولية (Transnational Boycott Models): مقارنة حراك (BDS) بنماذج المقاطعة التاريخية (مثل المقاطعة الأكاديمية لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا).
  • المنهج المسحي التجريبي (Empirical Survey Design): الاعتماد على أداة جمع البيانات الكمية والنوعية المباشرة من الباحثين لإثبات الظاهرة تحليلين وديموجرافيين.

سابعًا: النتائج التي توصل إليها الباحثان

  1. ارتفاع الحالات المتضررة: سجل استبيان “درع الباحث” مئات الحالات المؤكدة لممارسات مقاطعة أكاديمية منذ أكتوبر 2023.
  2. التوزيع التخصصي: المقاطعة أكثر كثافة وشيوعًا في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانيات، لكنها بدأت تسجل ارتفاعًا ناعمًا ومقلقًا في الهندسة والعلوم الطبيعية.
  3. سيادة المقاطعة غير المعلنة: جزء كبير من المقاطعة يأتي في صورة رفض غير مبرر قانونيًا أو علميًا (مثل رفض مقالات، أو تجميد طلبات زمالة ودكتوراه) خشية تعرض المؤسسات الغربية لضغوط أو احتجاجات.
  4. تهديد قطاع التكنولوجيا والصحة: انخفاض التعاون والتأطير الدولي سيهدد بالتبعية جودة الكوادر في قطاع الـ(High-Tech) ومراكز الأبحاث الطبية والسريرية.

ثامنًا: الانتقادات الموجهة للمقال

  • انحياز العينة وانعدام الحياد المؤسسي: المقال كتبه أكاديميون إسرائيليون بارزون لصالح معهد سياسات إسرائيلي (Samuel Neaman Institute)، ما يجعله يتبنى الرواية الإسرائيلية ويميل إلى “أمننة (Securitization)” المقاطعة وعدّها خطرًا قوميًا وليس حراكًا حقوقيًا.
  • تجاهل الأسباب الجذرية: يركز المقال على “أعراض” المقاطعة ويتجاهل السياسات العسكرية الإسرائيلية والأوضاع في غزة والضفة الغربية التي أدت إلى نشوء ردود الفعل هذه في الجامعات الغربية.
  • الاعتماد على التقارير الذاتية (Self-reporting Bias): الاعتماد على بيانات استبيان تطوعي قد يعاني تضخيم بعض الحالات أو خلط الرفض الأكاديمي الاعتيادي للأوراق العلمية بدافع المقاطعة السياسية.

يخلص المقال إلى أن المقاطعة الأكاديمية ضد إسرائيل تشكل تحديًا متعدّد الأبعاد يتجاوز الحدود الأكاديمية ليطال الاقتصاد والمجتمع. ويدعو الكاتبان إلى ضرورة الاستمرار في مواجهة هذه الظاهرة عبر التكتلات القانونية، والجهود الدبلوماسية، وبناء تحالفات أكاديمية مضادة لحماية مستقبل البحث العلمي الإسرائيلي ومنع عزله دوليًا.

اقرأ أيضا: الأدب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي

الخاتمة

تتجاوز قضية المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل محض كونها خلافًا بشأن حرية البحث العلمي أو آليات التعاون الدولي، لتكشف عن فجوة عميقة في سردية الطرفين. ففي الوقت الذي يستند فيه الداعون للمقاطعة في الأوساط الغربية والفلسطينية إلى أسباب هيكلية وأخلاقية معلنة –تتعلق بالدمار غير المسبوق للمنظومة التعليمية في غزة، والتورط العضوي للجامعات الإسرائيلية في تطوير التقنيات والأبحاث العسكرية والأمنية خدمةً للاحتلال– يأتي الموقف الأكاديمي الإسرائيلي محصورًا في زاوية الدفاع عن الذات.

إن القراءة الفاحصة للردود الصادرة عن المؤسسات والأكاديميين الإسرائيليين –كما يبرز هذا المقال وغيره من أدبيات “الأمن الأكاديمي”– توضح التركيز الشديد على رصد تداعيات المقاطعة، والأضرار التنافسية، وتهديد قطاعات التكنولوجيا والصحة، مع وصم الحراك بـ”المعاداة” أو “التسييس النفعي”. وفي المقابل، يبرز غياب لافت للرد المباشر أو التفنيد العلمي للأسباب الجوهرية التي بنيت عليها دعوات المقاطعة، إذ يتجنب النقاش بخصوص الانتهاكات الحقوقية أو طبيعة الشراكة الوثيقة بين الجامعة والمؤسسة العسكرية.

إن هذا التغاضي عن خوض سجال موضوعي بشأن “الأسباب” والتركيز الفردي على “النتائج” يجعل الأكاديمية الإسرائيلية تبدو كأنها تعالج أعراض الأزمة دون المساس بجذورها، مما يضاعف من عزلتها الدولية ويجعل المقاطعة –العلنية منها والصامتة– تهديدًا استراتيجيًا متصاعدًا يصعب احتواؤه عبر أدوات الدبلوماسية والملاحقة القانونية وحدها.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري