مقالات

من ثمارهم تعرفونهم

التعليم وحده لا يرقى بالناس ولا يجعلهم أفضل مما هم عليه أو أكثر حرية، أو أكثر إنسانية. إن العلم يجعل الناس أكثر قدرة، وأكثر كفاءة، وأكثر نفعًا للمجتمع. لقد برهن التاريخ على أن الرجال المتعلمين والشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بهم، بل يمكن أن يكونوا أيضًا خداما للشر، ربما أكثر كفاءة من الشعوب المتخلفة.

إن تاريخ الإمبريالية (الاستعمار) سلسلة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبًا ظالمة استئصالية استعبادية ضد شعوب متخلفة أقل تعليمًا، كان أكبر ذنبهم أنهم يدافعون عن أنفسهم وحريتهم. إن المستوى التعليمي الراقي للغزاة لم يؤثر على الأهداف أو الأساليب. لقد ساعد فقط على كفاءة الغزاة وفرض الهزيمة على ضحاياهم”.

علي عزت بيجوفيتش/ الاسلام بين الشرق والغرب.

يحكى أن صيادًا نصب شباكه في صباحٍ يوم عاصف شديد البرد، فامتلأت شباكه بالعصافير المرتجفة. ثم أخذ يذبحها واحدًا بعد آخر، في حين كانت بقية العصافير تنظر إليه في خوفٍ وحيرة. وكانت الرياح الباردة تضرب وجه الصياد فتسيل الدموع من عينيه.

فالتفت عصفور صغير إلى رفيقه وقال: “ما أرقّ قلب هذا الرجل! انظر كيف يبكي وهو يذبحنا، لعل الرحمة قد أخذت منه مأخذًا حسنًا”. فهزّ العصفور الآخر رأسه وقال: “لا تنظر إلى الدموع التي تسيل من عينيه، لكن انظر إلى السكين التي في يده، فالناس لا يعرفون بما تقول وجوههم، بل بما تصنع أيديهم، والعبرة بالأفعال وليست بالأقوال والشعارات والمشاعر”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

هذه الحكاية الصغيرة تختصر جانبًا كبيرًا من مأساة الحضارة الحديثة. فالعبرة في نهاية المطاف ليست بالشعارات التي ترفع، ولا بالكلمات التي تقال، ولا حتى بالمشاعر التي يعلن عنها (الأمين العام للأمم المتحدة يشعر بالقلق)، وإنما بما تتركه الأفعال من آثار في حياة الناس.

فكثيرًا ما تحدث العالم عن الحرية وهو يقيد الشعوب، وتغنى بالإنسانية وهو يدفن الإنسان تحت الأنقاض، ورفع راية التقدم في حين كانت أدواته تحصد الأرواح وتبدد الأوطان. ولهذا فإن المشكلة ليست في العلم حين يكون نورًا يهدي الإنسان، بل حين يتحول إلى سكينٍ أشد حدّة في يد من فقدوا البوصلة الأخلاقية.

عندها لا تزيد المعرفة العالم رحمةً، بل تزيد أدوات القسوة دقةً وكفاءة، ويصبح الخطر في العالم المتوحش المتعلم أعظم من الخطر في العالم الجاهل، لأن الجهل يجرح أحيانًا، أما العلم حين يفقد ضميره فقد يبرع في صناعة الجراح نفسها.

من هذا الباب يمكن فهم واحدة من أعظم مفارقات التاريخ، فالعلم الذي كان يفترض أن يكون جسرًا لعبور الإنسان نحو آفاق أرحب من الرحمة والعدل، تحول في أوقات كثيرة إلى أداة أكثر إحكامًا للسيطرة والقهر.

ذلك أن المعرفة لا تصنع الضمير، وإنما تمنح الضمير الموجود قوةً أكبر على تحقيق مقاصده. فإذا كان القلب عامرًا بالقيم أصبح العلم وسيلة للعمران، وإذا كان أسيرًا للطمع والاستعلاء تحول العلم إلى آلة تدار بكفاءة من أجل الخراب. ولهذا لم يكن تقدم الأمم في العلوم دليلًا كافيًا على تقدمها في الإنسانية، كما لم يكن التفوق التقني برهانًا على السمو الأخلاقي.

وقد أدرك علي عزت بيجوفيتش هذه الحقيقة حين لفت النظر إلى أن أكثر الجرائم تنظيمًا في التاريخ لم ترتكبها شعوب جاهلة، بل أمم بلغت شأوًا بعيدًا في التعليم والمعرفة.

فحروب الاستعمار، وسياسات الإبادة، ومشاريع الهيمنة الكبرى، لم تصنع في بيئات متخلفة، وإنما خرج كثير منها من رحم حضارات تفاخر بجامعاتها ومختبراتها ومنجزاتها العلمية. لقد زادها العلم قدرة على التنفيذ، لكنه لم يغير طبيعة الغايات التي تسعى إليها. فالعلم يستطيع أن يطور الوسائل، لكنه لا يملك وحده أن يطهر المقاصد أو يزكي النفوس.

لذلك أخطأت الحداثة حين ظنت أن تراكم المعرفة كفيل بصناعة الإنسان الأفضل. فالعلم يرفع قدرة الإنسان على الفعل، لكنه لا يجيب عن سؤال الغاية من هذا الفعل. إنه يعلمنا كيف نفعل الأشياء، لكنه لا يعلمنا لماذا نفعلها، ولا لأي مقصد ينبغي أن تتجه.

لهذا يمكن للعقل نفسه أن يبتكر الدواء الذي ينقذ آلاف الأرواح، ثم يبتكر السلاح الذي يحصد آلاف الأرواح. ويمكن للجامعة التي تخرج العلماء أن تخرج أيضًا من يبرر الظلم ويزين العدوان ويصوغ له الحجج والنظريات. فالمشكلة لم تكن يومًا في قوة العقل، وإنما في الجهة التي تقوده، كما أن قوة الريح لا تصنع السفينة، وإنما تحدد سرعتها نحو الوجهة التي اختارها الربان.

لعل ما شهدته البشرية في البوسنة والهرسك والشيشان وغزة، وغيرها من المآسي التي لا تزال تنزف، يقدم أوضح شاهد على ذلك. فالسلاح الذي يهدم البيوت، والتقنية التي تلاحق الإنسان في أدق تفاصيل حياته، والمنظومات التي تجعل القتل أكثر دقة وفاعلية، كلها ثمار عقول متعلمة لا عقول جاهلة. والقنابل الذكية، وأنظمة المراقبة المتقدمة، وآلات الحرب المعقدة، لم تصنع في كهوف الجهل، وإنما في مختبرات العلم ومراكز البحث.

هنا تتجلى المأساة الحقيقية: حين تصبح السكين أكثر تطورًا في حين يبقى القلب أكثر قسوة. لذلك فإن الإنسانية لا تحتاج إلى مزيد من المعرفة فحسب، بل إلى ما يهدي المعرفة ويضبط اتجاهها. فالمشكلة ليست في الدموع التي تسيل من عين الحضارة، وإنما في السكين التي لا تزال تمسك بها بكلتا يديها.

مقالات ذات صلة:

بين إنتاج المعرفة وحل المشكلات

القيم الخُلُقية وصناعة المعرفة العلمية

المعرفة الإيجابية بين العلم والثقافة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.