مقالات

لماذا أصبح العلم الفلسطيني رمزًا عالميًا؟ (Why Has the Palestinian Flag Become a Global Symbol)

قراءة أنثرو– سوسيولوجية لفهم كيفية تشكل الفعل السياسي الفلسطيني من الخطاب والممارسات اليومية والإعلام والاحتجاج

مقدمة

“أماهل بشارة” (Amahl Bishara) واحدة من أبرز علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين المتخصصين في فلسطين. تشغل منصب أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة تافتس  (Tufts University) بالولايات المتحدة. تركز أبحاثها على: المجتمع الفلسطيني: الإعلام والسياسة، الهوية الوطنية، الحركات الاجتماعية، الصحافة الفلسطينية، والاستعمار الاستيطاني: الاتصال السياسي.

ومن أشهر مؤلفاتها (Back Stories: U.S. News Production and Palestinian Politics 2013) الذي حصل على عدة جوائز أكاديمية.

نشرت بشارة مقالًا في عام 2016 في المجلة العلمية (HAU: Journal of Ethnographic Theory) بعنوان : الأفعال الفلسطينية في التحدث معًا ومنفصلين (Palestinian Acts of Speaking Together, Apart) وهذا المقال هو موضع تحليلنا.

الجانب الأول: متضمنات المقال

تحاول الباحثة الإجابة عن سؤال رئيس: كيف يستطيع الفلسطينيون أن يتحدثوا بصوت جماعي رغم أنهم يعيشون في أماكن متباعدة وتحت سلطات سياسية مختلفة؟

فالفلسطينيون يعيشون في:الضفة الغربية – غزة – القدس – إسرائيل – مخيمات اللاجئين – الشتات – أوروبا – أمريكا، ورغم ذلك لا يزال العالم يسمع: “الصوت الفلسطيني”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فكيف يحدث ذلك؟

الفكرة الأساسية

ترفض الباحثة الفكرة التقليدية التي تعتبر الأمة محض وحدة جغرافية. وترى أن الأمة الفلسطينية تتشكل عبر الخطاب – الإعلام – الاحتجاج – الرموز – الذاكرة – اللغة – الممارسات اليومية، وليس فقط عبر الدولة.

ماذا تعني عبارة (Speaking Together, Apart)؟ تقصد بها أن الفلسطينيين يتحدثون معًا، لكنهم يعيشون منفصلين أي أنهم منقسمون سياسيًا وموزعون جغرافيًا. لكنهم ينتجون خطابًا سياسيًا واحدًا.

كيف يحدث ذلك؟

ترى بشارة أن هناك أدوات تربط الفلسطينيين ببعضهم، منها: اللغة–الصحافة–وسائل التواصل–الاحتجاجات–الأغاني–الصور–العلم الفلسطيني–الكوفية–إحياء ذكرى النكبة–إحياء ذكرى الشهداء.

الإعلام باعتباره فضاء وطنيًا

ترى بشارة أن الإعلام الفلسطيني لا ينقل الأخبار فقط، بل يصنع الأمة، فحين يشاهد فلسطيني في شيكاغو أو بيروت أو رام الله أو غزة الصورة نفسها فإنه يشعر بأنه ينتمي إلى مجتمع سياسي واحد.

الرموز الوطنية

تولي الدراسة اهتمامًا كبيرًا للرموز. وترى أن العلم الفلسطيني والكوفية وصور الأسرى والشهداء ليست محض شعارات بل أدوات لإنتاج الهوية. فالرمز يجعل الأفراد يشعرون أنهم جزء من جماعة واحدة، حتى لو لم يلتقوا أبدًا.

لماذا أصبح العلم الفلسطيني رمزًا عالميًا؟

توضح الدراسة أن الراية الفلسطينية خرجت من حدود فلسطين، وأصبحت ترفع في: الجامعات. المظاهرات، المؤتمرات، الفعاليات الثقافية، حول العالم. ليس فقط لأنها تمثل دولة، بل لأنها أصبحت تمثل قضية.

الهوية العابرة للحدود

ترى بشارة أن الفلسطينيين من أوائل الشعوب التي بنت هوية وطنية عابرة للحدود، فقد أنتج الشتات الفلسطيني أشكالًا جديدة من الانتماء، لا تعتمد على الإقامة داخل الدولة، بل على الذاكرة والسردية والرموز.

مفهوم الفضاء العام الفلسطيني

ترى بشارة أن الفضاء العام الفلسطيني لم يعد محصورًا داخل فلسطين، بل أصبح يمتد إلى: لندن، باريس، شيكاغو، عمان، سانتياجو، كيب تاون. ومن ثم أصبح الاحتجاج نفسه جزءًا من الوطن.

دور الاحتجاج

تشير الدراسة إلى أن المظاهرات لا تحقق أهدافًا سياسية فقط، بل تحقق وظيفة اجتماعية: إعادة إنتاج الشعب الفلسطيني، فعندما يحمل آلاف الأشخاص العلم الفلسطيني في مدينة بعيدة عن فلسطين، فإنهم ينتجون شعورًا جديدًا بالجماعة.

أهمية الراية الفلسطينية

ترى بشارة أن العلم يؤدي وظائف عديدة:

  • أولًا: يعلن وجود الشعب الفلسطيني.
  • ثانيًا: يوحد الفلسطينيين.
  • ثالثًا: يجذب المتضامنين.
  • رابعًا: يحول الاحتجاج إلى حدث بصري عالمي.
  • خامسًا: ينتج ذاكرة جماعية.

لماذا يرفع غير الفلسطينيين العلم الفلسطيني؟

ترى الدراسة أن المتضامنين لا يتبنون هوية فلسطينية، بل يشاركون في مجتمع سياسي أوسع. فالعلم أصبح رمزًا: لـلعدالة والتحرر ومناهضة الاستعمار وحقوق الإنسان. وبذلك يتحول العلم من رمز قومي إلى رمز سياسي عالمي.

النتائج الرئيسة

خلصت الدراسة إلى أن:

  1. الأمة الفلسطينية تنتج باستمرار بالخطاب والممارسة اليومية.
  2. الإعلام والاحتجاج يؤديان دورًا مركزيًا في بناء الهوية.
  3. الرموز الوطنية، وفي مقدمتها العلم، توحد الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه.
  4. الفضاء العام الفلسطيني أصبح فضاءً عابرًا للحدود.
  5. مشاركة غير الفلسطينيين في حمل العلم الفلسطيني تعكس انخراطهم في فضاء تضامن سياسي عالمي، لا بالضرورة تبنيهم لكل المواقف السياسية المرتبطة بالقضية.

الجانب الثاني: تحليل المقال من منظور علم الاجتماع السياسي والعسكري

تكشف الدراسة أن الهوية الوطنية ليست محض نتاج لوجود دولة أو مؤسسات رسمية، بل تبنى من الخطاب العام، والرموز، والإعلام، والاحتجاجات الجماعية. وفي الحالة الفلسطينية، أدت ظروف الاحتلال والشتات إلى نشوء فضاء سياسي عابر للحدود حافظ على استمرارية الهوية الوطنية رغم التشتت الجغرافي. كما توضح أن الراية الفلسطينية تؤدي وظيفة رمزية في ربط جماعات متباعدة داخل إطار سردية سياسية مشتركة.

كما تظهر الدراسة أن الصراع طويل الأمد لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل البنى العسكرية والأمنية، بل يمتد إلى إنتاج منظومة رمزية للتعبئة والصمود. فالراية الفلسطينية، والكوفية، وصور الشهداء والأسرى تعمل كأدوات لتعزيز التماسك الاجتماعي والحفاظ على الهوية الوطنية في ظل النزاع. ومن منظور علم الاجتماع العسكري، تمثل هذه الرموز موارد غير مادية تسهم في استدامة التضامن، وتوسيع شبكات الدعم العابرة للحدود، وتحويل الفضاءات العامة خارج فلسطين إلى ساحات للتعبير السياسي والرمزي عن القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة:

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. أحمد إبراهيم خضر

أستاذ بكلية التربية – جامعة الأزهر دكتوراه علم الإجتماع العسكري