مقالات

العقل في قبضة الهوى

يقول المفكر الفلسطيني منير شفيق في مذكراته من جمر إلى جمر: “العقل الإنساني خطير، وليس بالضرورة أن يكون محكومًا بالمنطق، ولا بالتوازن أيضًا.

العقل الإنساني عقل أهواء عمومًا، عقل يذهب إلى التطرف، وقد يذهب حين يغضب إلى الجنون، كما يذهب إلى التساهل والمساومة والبيع والشراء. كيف نفسر تصرفات البشر عندما يبالغون، عندما يتعصبون، عندما يقتتلون، أو عندما يبيعون مبادئهم، عندما ينحازون انحيازًا أعمى، عندما يتحاملون بلا إنصاف، فلا يتركون تهمة إلا ويلصقونها بالخصم؟ العقل وراء هذا كله!”.

إذا كانت خطورة العقل بهذا القدر الذي أشار إليه المفكر منير شفيق، التي تكمن في قابليته للانحياز، فإن قيمة الإنسان لا تتجلى في امتلاكه العقل فحسب، بل في قدرته على تهذيبه وتحريره من سلطان الهوى. فليس كل عاقل منصفًا، وليس كل ذكي باحثًا عن الحقيقة.

من هنا يمكن فهم المعنى العميق لكلمة الإمام الشافعي –رحمه الله– حين قال: “ما ناظرت أحدًا إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه”. وهذه ليست عبارة أخلاقية عابرة، بل إعلان عن شرط نادر من شروط العقل السليم، فمعظم الناس لا يدخلون ساحة الفكر بحثًا عن الحقيقة، وإنما يدخلونها بحثًا عن الانتصار. وهنا تبدأ المأساة. فالعقل الذي خُلِق ليكون مصباحًا يكشف الطريق، قد يتحول إلى جندي يقاتل في معركة الهوى.

لهذا لا تكمن خطورة العقل في ضعفه، وإنما في قدرته الهائلة على تبرير ما يريد صاحبه أن يراه، حتى يظن الإنسان أنه يحتكم إلى البرهان، في حين هو في الحقيقة يحتكم إلى هوى متنكر في ثياب المنطق. وما إن يحدث ذلك حتى تتغير وظيفة العقل كلها، فلا يعود يسأل: ما الحق؟ بل يسأل: كيف أثبت أنني على حق؟ وبين السؤالين مسافة هي المسافة نفسها بين الحكمة والتعصب، وبين المعرفة والفتنة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

غير أن العبارة التي طرحها المفكر منير شفيق تحتاج إلى شيء من الإيضاح، فالعقل في ذاته ليس مصدر التعصب ولا منشأ الانحياز، وإنما الخطر يبدأ عندما يفقد استقلاله ويصبح أسيرًا لعاطفة جامحة، أو مصلحة ضاغطة، أو هويّة مغلقة على ذاتها. عندئذ لا يتوقف العقل عن العمل كما قد يظن، بل يعمل بكفاءة لافتة في خدمة ما استولى عليه. فهو ينتقي من الوقائع ما يؤيد موقفه، ويغض الطرف عما سواه، ويعيد تأويل الأحداث بما ينسجم مع قناعاته السابقة.

من هنا تنشأ إحدى أعجب الظواهر الإنسانية، إذ لا يرى الإنسان العالم كما هو، بل كما تسمح له أهواؤه ومخاوفه وانتماءاته أن يراه. ولذلك قد يبلغ المرء درجة من التحيز تجعله يظن نفسه أكثر الناس موضوعية وإنصافًا، وهو في الحقيقة غارق في أسر تحيزاته إلى أبعد الحدود. وما قيل قديمًا: “ما استُعبِد الإنسان بشيء مثل استعباده لرأيه” إلا وصف دقيق لهذه الحال.

فالسجين يدرك أغلاله، أما أسير هواه فيحسب قيوده ضربًا من الحرية. قال الله تعالى: “وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا” {الكهف:28}، وقال تعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)” الجاثية.

الأخطر من ذلك كله أن التعصب لا يعطل العقل، بل يستنفره ويوجه طاقته وجهة خاطئة. فالمتعصب ليس بالضرورة قليل الفهم أو محدود الذكاء، بل قد يكون واسع المعرفة قوي الحجة، غير أن عقله يتحول من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى أداة للدفاع عن موقف سبق أن حسم أمره فيه. ولهذا نراه يغفر الخطأ نفسه إذا صدر من فريقه، ويضخّم أثره إذا صدر من خصمه، ويستقبل الدليل الواحد بوجهين مختلفين تبعًا للجهة التي جاء منها.

هنا تكمن واحدة من أخطر عجائب العقل البشري، إذ يستطيع أن يحوّل الهوى إلى مبدأ، والتحامل إلى إنصاف، والتعصب إلى فضيلة، والانتقام إلى عدالة، دون أن يشعر صاحبه أنه غادر أرض الموضوعية. ولذلك فإن معركة الإنسان الكبرى ليست مع الجهل وحده، بل مع ذلك الميل الخفي الذي يجعل العقل خادمًا للرغبة بدل أن يكون شاهدًا للحقيقة. فالعقل يبلغ تمام كماله حين يمتلك الشجاعة لمراجعة نفسه، والقدرة على نقد قناعاته، والاستعداد للرجوع إلى الحق ولو ظهر على لسان خصمه. فهناك فقط يتحرر من سلطان الهوى، ويؤدي رسالته التي خُلق لها.

لهذا ربما تكون الصياغة الأدق للعبارة المذكورة أعلاه أن نقول: إن أخطر ما في العقل ليس أنه يخطئ، بل أنه قادر على أن يبني للأخطاء قصورًا من الحجج، وأن يكسو الأهواء ثياب المبادئ، وأن يقنع صاحبه بأنه يدافع عن الحقيقة، في حين أنه في كثير من الأحيان لا يدافع إلا عن صورة نفسه. وعند هذه النقطة يصبح العقل، الذي هو أعظم نعم الله على الإنسان، واحدًا من أخطر ميادين الابتلاء فيه، لأن الإنسان لا يخشى عدوًا يراه، لكنه كثيرًا ما يهلك بعدو يسكن داخله ويتكلم بصوته ويفكر بعقله.

مقالات ذات صلة:

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.