لماذا لا تستطيع إسرائيل كسب الحرب؟!

البروفيسور بول روجرز (Prof. Paul Rogers) الأكاديمي البريطاني النقدي وأستاذ دراسات السلام في جامعة برادفورد البريطانية يجيب (Why Israel Can’t Win War) من منظور علم الاجتماع السياسي والعسكري.
الجانب الأول: من البروفيسور بول روجرز (Paul Rogers)
بول روجرز (Paul Rogers) أكاديمي بريطاني بارز في مجال دراسات السلام والأمن الدولي، وأستاذ فخري لدراسات السلام في جامعة برادفورد البريطانية. يعد من الأصوات المعروفة عالميًا في تحليل الحروب والصراعات، خصوصًا في الشرق الأوسط، والحروب غير النظامية والإرهاب وحدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية.
ولد عام 1943، وبدأ مساره الأكاديمي في مجال العلوم الطبيعية، إذ درس في (Imperial College London) وحصل على الدكتوراة منها، ثم انتقل تدريجيًا إلى قضايا الأمن والصراعات الدولية. انضم إلى برنامج دراسات السلام في جامعة برادفورد عام 1979، وأصبح لاحقًا أحد أبرز ممثليه.
ورغم أنه ليس ضابطًا عسكريًا أو رجل استخبارات، فإن روجرز لديه خبرة واسعة في دراسة المؤسسات العسكرية والاستراتيجيات الدفاعية، فقد حاضر لسنوات طويلة في مؤسسات عسكرية بريطانية رفيعة مثل: (Joint Service Command and Staff College) و(Royal College of Defence Studies).
كما عمل مستشارًا في قضايا الأمن العالمي، وشارك في نقاشات مرتبطة بالسياسات الدفاعية البريطانية والدولية. ويعد روجرز من الباحثين الذين كتبوا كثيرًا عن الشرق الأوسط، وبخاصة:
- الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
- العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
- العلاقة بين القوة العسكرية والاستقرار السياسي.
بعد حرب غزة 2023 نشر تحليلات عد فيها أن إسرائيل تواجه مشكلة استراتيجية تتمثل في أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع حل صراع ذي جذور سياسية وتاريخية عميقة.
الجانب الثاني: البرنامج وموضوع الحلقة التي كان ضيفًا فيها
هي حلقة (Why Israel Can’t Win: War Expert Prof. Paul Rogers’ Devastating Interview)، البرنامج (The Owen Jones Podcast)، تاريخ النشر: 20 ديسمبر 2023، الضيف (Paul Rogers).
الموضوع المركزي: لماذا قد تفشل إسرائيل في تحويل تفوقها العسكري إلى “نصر استراتيجي” في حرب غزة؟
الجانب الثالث: مجريات الحلقة
المقدمة
تأتي مقابلة البروفيسور بول روجرز مع الصحفي أوين جونز في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، إذ كانت إسرائيل قد أعلنت أن هدفها الأساسي القضاء على حركة حماس واستعادة الردع وإعادة تشكيل الواقع الأمني في غزة.
لكن روجرز، انطلاقًا من خبرته الطويلة في دراسات الحرب والأمن الدولي، يرى أن المشكلة الأساسية ليست في قدرة الجيش الإسرائيلي على إلحاق أضرار عسكرية هائلة، بل في الفارق بين الانتصار التكتيكي والنصر الاستراتيجي.
فالدول قد تنجح في تدمير البنية العسكرية لخصم ضعيف نسبيًا، لكنها تفشل في تحقيق أهدافها السياسية إذا لم تستطع معالجة جذور الصراع وإنتاج نظام سياسي قابل للاستمرار.
ومن هنا يأتي عنوان الحلقة: “لماذا لا تستطيع إسرائيل الفوز؟”، ليس بمعنى الهزيمة العسكرية المباشرة، وإنما بمعنى العجز عن تحقيق نهاية سياسية مستقرة للحرب. أجاب روجرز:
أولًا: الفرق بين القوة العسكرية والنصر الاستراتيجي
يبدأ روجرز من فكرة أساسية في علم الاجتماع العسكري ودراسات الحرب: الجيوش تستطيع كسب المعارك، لكنها لا تستطيع دائمًا كسب الحروب. ويستشهد بتجارب الولايات المتحدة في: فيتنام والعراق وأفغانستان. ففي هذه الحالات امتلكت القوى الكبرى:
- تفوقًا جويًا.
- تكنولوجيا متقدمة.
- قوة نارية ضخمة.
لكنها اصطدمت بمشكلة أساسية: القوة العسكرية لا تستطيع وحدها القضاء على الحركات السياسية والاجتماعية التي تستند إلى هوية جماعية ومظالم تاريخية. ويرى روجرز أن إسرائيل تواجه المشكلة نفسها في غزة.
ثانيًا: مشكلة تعريف “النصر” الإسرائيلي
يشير روجرز إلى أن إسرائيل وضعت أهدافًا عسكرية ضخمة، خصوصًا: القضاء على حماس وتدمير بنيتها العسكرية، ومنع تكرار هجوم 7 أكتوبر مع استعادة صورة الردع الإسرائيلي.
لكنه يرى أن هذه الأهداف تواجه تناقضًا جوهريًا، فحتى لو تمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير جزء كبير من قدرات حماس العسكرية، فإن الأفكار لا تقصف بالطائرات، والحركات المقاومة لا تختفي بقتل قياداتها، بالإضافة إلى أن الاحتلال أو السيطرة العسكرية يولدان أشكالًا جديدة من المقاومة.
ويعد أن التجربة التاريخية تشير إلى أن التنظيمات المسلحة غالبًا تتحول ولا تختفي.
ثالثًا: درس العراق وأفغانستان
يعتمد روجرز كثيرًا على المقارنة التاريخية.
ففي العراق عام 2003 تمكنت الولايات المتحدة من إسقاط نظام صدام حسين في غضون أسابيع، لكن لم تستطع بناء نظام مستقر بسهولة، فظهرت مقاومة مسلحة وتصاعد العنف الطائفي، حتى تحولت الحرب إلى أزمة طويلة.
وفي أفغانستان استطاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها السيطرة على المدن، لكن طالبان أعادت بناء نفسها، وانتهت الحرب بانسحاب أمريكي وعودة طالبان للحكم عام 2021.
يرى روجرز أن الدرس هنا: احتلال الأرض أسهل من السيطرة على المجتمع. وهذا ينطبق، وفق تحليله، على غزة.
رابعًا: مشكلة غزة كونها بيئة اجتماعية مقاومة
ينظر روجرز إلى غزة ليس فقط أنها مساحة جغرافية، بل مجتمع سياسي تشكل عبر عقود من الاحتلال والحصار والنزوح والصراع المستمر.
ومن منظور علم الاجتماع العسكري، فإن الحرب لا تدور فقط بين جيش وتنظيم مسلح، بل بين مؤسسة عسكرية متقدمة تقنيًا ضد مجتمع يحمل ذاكرة جماعية للصراع.
وهنا يرى أن استخدام القوة المفرطة قد يخلق آثارًا عكسية:
- زيادة الغضب الشعبي.
- إنتاج أجيال جديدة من المقاتلين.
- تعميق العداء السياسي.
خامسًا: أزمة الردع الإسرائيلي
يناقش روجرز مفهوم الردع الإسرائيلي الذي قام تاريخيًا على فكرة: “إذا هاجمت إسرائيل فإن الرد سيكون ساحقًا بحيث لا يجرؤ الخصوم على تكرار الهجوم”. لكن أحداث 7 أكتوبر، وفق تحليله، كشفت حدود هذا المفهوم.
فقد ظهر أن:
- التفوق الاستخباراتي يمكن أن يفشل.
- التكنولوجيا لا تمنع المفاجآت.
- الجدار الأمني لا يمنع الاختراق.
- القوة العسكرية لا تمنح حصانة سياسية مطلقة.
ومن منظور علم الاجتماع العسكري، فإن هجوم 7 أكتوبر لم يكن محض حادث عسكري، بل كان صدمة مؤسسية هزت صورة الجيش الإسرائيلي داخل المجتمع الإسرائيلي.
سادسًا: البعد السياسي للحرب
يرى روجرز أن المشكلة الأكبر ليست عسكرية بل سياسية. فالسؤال الحاسم: ماذا بعد الحرب؟ إذا قضينا على حماس (وهو هدف صعب وفق رأيه)، فمن سيحكم غزة؟ سلطة فلسطينية ضعيفة؟ إدارة إسرائيلية مباشرة؟ قوة دولية؟ فراغ سياسي؟
ويؤكد أن التاريخ يوضح أن الفراغ السياسي بعد العمليات العسكرية يؤدي غالبًا إلى ظهور قوى جديدة.
الجانب الرابع: تحليل من منظور علم الاجتماع السياسي والعسكري
يمكن قراءة أفكار روجرز عبر عدة مفاهيم:
1- حدود القوة العسكرية (Limits of Military Power)
القوة العسكرية تستطيع التدمير، الاحتلال، الردع المؤقت، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الشرعية أو تغيير الهوية السياسية أو حتى إنهاء الصراع الاجتماعي.
2- معضلة الحرب ضد التنظيمات غير الدولتية
الحرب ضد حماس تختلف عن الحرب بين دولتين.
فالجيوش النظامية يمكن هزيمتها عسكريًا، لكن التنظيمات غير الدولتية تعتمد على: الشبكات الاجتماعية، الدعم الشعبي، المرونة التنظيمية.
3- تآكل صورة الجيش رمزًا للأمن
من منظور علم الاجتماع العسكري، فإن الجيش الإسرائيلي لا يعتمد فقط على القوة، بل على صورة اجتماعية: “الجيش الذي يحمي الدولة”. لكن استمرار الحرب والخسائر والانتقادات الداخلية قد يؤدي إلى أزمة ثقة ومراجعة لعقيدة الأمن، وينشئ صراعًا بين المستوى السياسي والعسكري.
الخاتمة
تكمن أهمية مقابلة بول روجرز في أنها لا تقدم قراءة للحرب باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، بل باعتبارها صراعًا اجتماعيًا وسياسيًا طويل المدى.
فالفكرة الأساسية التي يطرحها أن إسرائيل قد تحقق نجاحات عسكرية مؤقتة، لكنها تواجه صعوبة في تحقيق نصر استراتيجي نهائي لأن الحرب لا تحسم فقط بتدمير القدرات العسكرية للخصم، بل بإنشاء واقع سياسي قادر على الاستمرار.
ومن منظور علم الاجتماع العسكري، فإن الرسالة المركزية للحلقة: “القوة النارية قد تحسم المعركة، لكنها لا تحسم الصراع عندما تكون جذوره سياسية واجتماعية وتاريخية”. لهذا فإن سؤال روجرز الحقيقي ليس: هل تستطيع إسرائيل تدمير أهداف في غزة؟ بل: هل تستطيع تحويل هذا التدمير إلى نظام سياسي مستقر ينهي الصراع؟
وهنا يرى أن التاريخ، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، يقدم إجابة تحذيرية: الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة الفوز بالحرب.
مقالات ذات صلة:
إسرائيل بين الأندلس والولايات المتحدة الأمريكية
القوة الصامدة .. والقوة الغالبة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.