لن تكون حربهم الأخيرة

يخطئ من يظن أن الحرب على إيران، ستكون الحرب الأخيرة في الشرق الإسلامي، ليس فقط لأن “الدولة الصهيونية” قائمة بيننا وتتربص بنا، لكن لأن الدافع الاستعماري ما زال كامنًا في العقل الغربي بقيادة أمريكا، التي تسلمت قيادة الغرب من بريطانيا سنة 1945م بعد مؤتمر يالطا الشهير (الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وأمريكا)، وهو الدافع الذي يحول بين الشرق وبين “الاستقلال”.
ثورات الشرق من بدايات القرن الـ19 كانت تهدف إلى تحقيق مبدأ الاستقلال، وكانت ثورات تعبر عن الروح الشعبية التي استلهمت الإسلام في مواجهتها لحملات الغرب المتكررة.
وسرعان ما سنفهم ونعرف سر المسارعة إلى نشوء حالة التصادم غير المبرر، التي كانت بين الدولة القومية الجديدة، دولة ما بعد الاستعمار، والحركات الإصلاحية التي كانت في طليعة المواجهة لهذا الاستعمار في حملاته التاريخية المتكررة.
قل ما تشاء في تفسير هذا التصادم المريع عميم الخسران، لكن سيبقى ظل الغرب حاضرًا في إزكاء هذا التصادم.
سواء لأن الحركات الإصلاحية تستلهم الإسلام في النظر إلى نفسها والآخرين والدنيا من حولها، وسيحدثنا في ذلك العلامة الراحل “علي عزت بيجوفيتش” رحمه الله في كتابه بالغ الأهمية “الإسلام بين الشرق والغرب”، الذي يعد مرجعًا عميقًا لفهم مكونات الحالة الاستعمارية التي كانت وما زالت تحكم علاقة الغرب بنا.
وسواء كان السبب المصالح الاستراتيجية للغرب، في بقاء هيمنته وسيطرته ومركزيته ورؤيته لنفسه أنه “سيد للعالم”.
الحاصل أن الغرب بكل فرقائه لم يتعامل ولن يتعامل مع الشرق المسلم إلا أن يكون تابعًا، لن يسمح له بالاستقلال، ولن يسمح له بالبناء الحضاري.
وإذا كنا قد رأينا خلافًا داخل الغرب في الحرب الأخيرة، إلى الدرجة التي قالت فيها أوروبا إن “هذه ليست حربنا”، فهذا لم يكن إلا خلافًا داخل المنظومة نفسها في طريقة إدارة الصراع.
تمامًا كما حدث في السويس 1956م، كان هناك خلاف بين أمريكا وأوروبا (بريطانيا وفرنسا)، لكن النظر الأخير للمشهد ستجده هو هو، والنتيجة الأخيرة هي هي: التبعية والتخلف والتشرذم وقوة إسرائيل.
هكذا كانت تريد أمريكا وقتها في هذا الخلاف، وفي طريقة تسلمها للملف كله، بما فيه بداية احتضانها لإسرائيل لتكون ركيزة أساسية لتحقيق هذه التبعية وهذا التخلف، وقد تحقق لهم جميعًا ما أرادوا.
ما رأيناه وسمعناه في أثناء هذا الاتفاق الذي جرى بين أمريكا وإيران، عن خلاف بين أمريكا وإسرائيل، وأن إسرائيل خرجت منكسرة من هذا الاتفاق، ما هو إلا خلاف بين السيئ والأسوأ.
ولن نغفل أن الجانب الشخصي في هذا الخلاف له حضوره وتأثيره، وهو حاضر دائمًا في كل زمان ومكان، لكن هذا لا يعدو كونه في هامش الهوامش.
وقد نجحت إيران في هذه الحرب نجاحًا كبيرًا، في تأكيد فكرة الاستقلال والمواجهة، دفعت ثمنًا باهظًا كاد يعرض وجودها نفسه للخطر، لكنها اختارت “الأصعب” وقدمت النموذج الذي يجب أن يكون، في التعامل مع تلك الحالة الاستعمارية الممتدة التي يحملها الغرب في جيناته تجاه الشرق، وخرجت من هذه الحرب متماسكة وصلبة، مدركة أكثر وأكثر لذاتها التاريخية والحضارية.
أتصور أن تكون هذه الحرب تأكيدًا لهذا الإدراك في المنطقة كلها.
كان طوفان الأقصى يهدف إلى تحقيق هذه الغاية وقد نجح نجاحًا كبيرًا في ذلك، مع الفارق الكبير في طبيعة الموقف، في الحالتين كان الثمن باهظًا، لكن اختيار الأصعب كان الاختيار الأمثل في هذه المواجهة، وبما يتناسب مع طبيعتها التاريخية والحضارية.
مع التسليم بحقيقة أن هذه المواجهة مستمرة ولن تنتهي في المنظور القريب، فكان لا بد من بداية بقوة وتضحية وبذل، ليمتد التاريخ ويستمر في استقامته المنشودة، والخروج من “الكهف الاستعماري” الذي أراد الغرب حبس الشرق فيه، وصنع لنفسه في المنطقة كلها من ينوب عنه، ينشد أناشيده ويتلو مواثيقه ويحكي حكاياته، ويحول بين الأمة ومصادر قوتها.
من 15 سنة أصدر الكاتب الإنجليزي “جيرمى سولت” كتابًا هامًا عن الشرق الأوسط، وعالم الإسلام. عنوان الكتاب يشير بعبقرية إلى واقع الحال في المنطقة، العنوان “تفتيت الشرق الأوسط، تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي”.
من لا يريد أن يعرف محتوى الكتاب، وهو محتوى خطير، يكفيه فقط أن يستوعب العنوان ويطابقه بالواقع، وسيجد أن التفتيت والاضطرابات هي حقيقة هذا الواقع.
يقول الكاتب إن ما دفعه لتأليف الكتاب رغبته في أن يكشف الآثار والنتائج في الشرق الأوسط، للقرارات المتخذة في مراكز القوى العالمية الغربية، على وجه الخصوص في القرنين الماضيين، وتقنيات السيطرة والضبط التي استعملتها الحكومات تلك، التي تتراوح بين الغزو والاحتلال والأساليب السرية الأخرى، لممارسة التسلط عن طريق الاتفاقيات، والشيء الأحدث عن طريق خلق اعتماد تلك الدول على المعونة الخارجية الكبيرة الحجم.
ويضيف المؤلف إلى ذلك قوله: كان هناك ضرورة لتوثيق مسؤولية “دولة ما بعد الاستعمار” فيما آل إليه الشرق الأوسط، فالغرب لم يغادر الشرق الأوسط قط، هو فقط غيّر أدواته.
وقال أيضًا إن كتابه يهتم بالكشف عن كيفية ضغط الغرب على الشرق، من وقت الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 م، وهو يستمر في ضغطه هذا منذ ذلك التاريخ!
إنه المنطق الاستعماري المتعجرف: نحن نهاجم وأنتم المهجوم عليكم، نحن نجتاح وأنتم من يتعرض للاجتياح، نحن نحتل وأنتم من تُحتل بلادكم، نحن نهدد وأنتم ترتعبون، نحن نحاضر وأنتم الذين تستمعون، نحن نقتل وأنتم القتلى!
ولنتأمل على تلك الخلفية، الجمل والمفردات التي وُضعت أمام ترمب ليُغرّد بها في أثناء طوفان الأقصى وفي أثناء حرب إيران!
وسنفهم أيضًا لماذا سيكون التوقيع على هذا الاتفاق الأخير في جنيف وليس في إسلام أباد!
لم تكن هذه الحرب ضرورية لأمريكا وحلفائها، لكنها كانت ضرورية لنا، بخاصة بعد طوفان الأقصى، لتتأكد لنا أهدافهم التي يتنوعون في وسائل الوصول إليها، وهي أن حروبهم علينا لن تتوقف، لا هم، ولا رأس حربتهم في الشرق: الدولة الصهيونية.
مقالات ذات صلة:
بين الشرق والغرب ما يجب أن يكون
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا